حصن الأمان.. كيف تبني الأسرة جداراً وقائياً لحماية الأبناء من براثن المخدرات

6 دقيقة للقراءة

الوحدة – بثينة منى

تعد المخدرات خطراً داهماً يهدد كيان المجتمعات ويدمر عقول الشباب، فهي المرض الذي يتغلغل إلى عقولهم ليقضي على المستقبل قبل أن يبدأ، ومع حلول السادس والعشرين من حزيران من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، حيث تتضاعف الجهود الدولية لمواجهة هذه الآفة، وفي قلب هذه المواجهة، يبرز دور الأسرة وتحديداً الوالدين كحجر زاوية والأساس المتين لبناء جدار وقائي منيع يحمي الأبناء من الوقوع في شرك الإدمان.

حول هذا الدور المحوري، التقت “الوحدة” مجموعة من الآباء والأمهات لاستطلاع تجاربهم في بناء وعي وقائي يحمي الأبناء من فخ الإدمان. ولطالما كان الحديث عن المخدرات من المحرمات داخل المنازل، غير أن الرؤية الحديثة للأهالي تغيرت جذرياً، فاليوم لم يعد التعتيم وسيلة للحماية، بل أصبح الحوار الصريح هو السلاح الأنجع.

يؤكد الأستاذ خالد علي أب لثلاثة مراهقين على هذه النقلة النوعية قائلاً: قديماً كنا نعتقد أن عدم الحديث عن المخدرات يحمي الأبناء منها، لكننا اكتشفنا أن الجهل هو العدو الأول، واليوم إذا لم يأخذ ابني المعلومة الصحيحة مني، فسيأخذها مشوهة من الإنترنت أو من رفاق السوء، لذا يجب أن نتحدث بوضوح عن الأنواع والأضرار وأساليب المروجين في استدراج الشباب. وتتفق معه ندى حمودي موجهة تربوية محذرة من أسلوب الترهيب قائلة: التوعية الحقيقية تكمن في بناء المنطق، فعندما يفهم الشاب كيف يدمر المخدر كيمياء الدماغ، سيرفضه بعقله اقتناعاً، لا خوفاً من سلطة الوالدين.

ويرى الكثير من الأهالي أن الفراغ العاطفي هو الثغرة التي يتسلل منها تجار السموم. وتوضح السيدة ليلى أحمد: أكبر حماية قدمتها لابني هي الأمان، فالمراهق الذي يخشى والديه قد يهرب للخارج بحثاً عن احتواء زائف، وهناك تكمن المخاطر، نحن نبني رصيداً من الحب الذي يجعل الابن يحرص على صورته أمامنا ولا يريد تخييب ظننا.

من جانبه، يرى أحمد عيسى (مدرب رياضي) وأب: أن الوقاية تبدأ من بناء الشخصية، الرياضة ليست للصحة فقط بل هي أسلوب حياة يعزز تقدير الذات، فعندما يضع الشاب هدفاً بدنياً، فإنه سيقدّر جسده ويرفض أي مادة تؤذيه، ودورنا كأهل هو توفير هذه البدائل الإيجابية.

كما أبدى بعض الأهالي قلقهم من انتشار المخدرات، التي لم تعد محصورة في زوايا الشوارع، بل تسللت إلى غرف الأبناء عبر الشاشات، وتحذر سارة العلي مرشدة اجتماعية وأم من هذا التحول قائلة: الخطر لم يعد في الشارع فقط، بل في تطبيقات المراسلة، لذا يجب أن يمتد وعي الأم إلى العالم الرقمي عبر مناقشة الإعلانات المضللة، وكيف يتم تصوير  تعاطي بعض المواد كنوع من الهروب من الواقع، ونحلل هذه الرسائل معاً، ويتفق الأب خالد باكير أغا مع هذا التوجه، موضحاً أن التاجر أصبح داخل الهاتف: وتوعية الأبناء يجب أن تشمل شرح الخدع الإلكترونية وكيفية الاستدراج عبر إعلانات وهمية أو مجموعة مشبوهة، فالتوعية اليوم يجب أن تكون تكنولوجية بقدر ما هي أخلاقية.

ويرى الكثير من الآباء أن الفجوة بين الأجيال هي أحد مسببات الانحراف، وهو ما يؤكده يوسف الحسن بقوله: لا يجب أن أكون مجرد سلطة، بل صديقاً يستمع دون أحكام مسبقة، فالأمان في الحديث يسهل عملية التوجيه، وتنصح الأم ناديا فويتي: دورنا ليس دور الشرطي بل الصديق المأمون، ليكون المنزل هو المكان الأول الذي يلجأ إليه الطفل عند الحيرة، لا المكان الأخير.

وتختصر الأم ليلى سعد (38 عاماً) الفكرة بقولها: المخدرات غالباً ما تدخل إذا علمنا الطفل كيف يقول “لا” بثقة وكيف يعتز بنفسه ولا يهتم برأي الآخرين إذا كان خاطئاً، فالطفل الواثق من نفسه هو طفل عصي على الانجرار وراء السموم. أما السيدة جهينة أم لثلاثة أولاد تتراوح أعمارهم بين 14-20عاماً، تحدثت عن مخاوفها بعد طلاقها وتحملها المسؤولية وحدها: غياب الأب يشكل فراغاً عاطفياً وضغطاً كبيراً، ما يجعلني في حالة خوف دائم من رفاق السوء، فالتفكك الأسري يضاعف المخاطر ويجعل الأبناء أكثر عرضة للتأثر بالمحيط الخارجي.

ويؤكد الأب سمير صقر (50 عاماً): أرى إخفاء الحقائق عن الأطفال بحجة صغر سنهم هو خطأ فادح، الشارع لن يرحمهم ولن يجمل الحقيقة، ويجب أن نتحدث معهم بوضوح عن ماهية هذه المواد وأنها سموم تقتل العقل والجسد، فالتوعية الصريحة هي تطعيم وقائي قبل أن يتعرضوا للعدوى في الخارج. و تلفت الأم مريم (35 عاماً) الأنظار إلى عامل القدوة: لا يمكنني أن أتحدث مع ابني عن أضرار التدخين أو العقاقير وأنا أتناول أدوية مهدئة بدون استشارة أو أدخن أمامه بشراهة، فالأبناء يراقبون أفعالنا لا أقوالنا، فالردع يبدأ بأن نكون نحن النموذج الصحي في التعامل مع التوتر والمشاكل، ليعرفوا أن الهروب إلى المواد المخدرة ليس حلاً.
هذا غيض من فيض ممن التقيناهم وهنا لابد من التأكيد على مدى خطورة المخدرات في هدم المجتمع، ويتفق معنا معظم الأهالي على أن الوقاية تبدأ بكلمة، وأن سلاحهم الأقوى هو الحب والثقة والمعرفة، فالعلاقة الأسرية المتينة، القائمة على الحوار الصريح، والثقة المتبادلة، هي الحصن المنيع الذي لا تستطيع سموم المخدرات اختراقه، وأنقى أنواع الوقاية تبقى في بناء إنسان واعٍ بعقله، قوي بإرادته، محمي بحب أسرته.

إرسال تصحيح لـ: حصن الأمان.. كيف تبني الأسرة جداراً وقائياً لحماية الأبناء من براثن المخدرات

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *