الوحدة – هدى سلوم
البيوت ليست بحجارتها وجدرانها فحسب، بل بأهلها وسكانها، بأنفاسهم وأحلامهم، وبضحكاتهم التي تتردد في أرجائها، حول بحرة الدار وأشجارها، وبين تفاصيل الأيام التي تتحول مع الزمن إلى ذاكرة لا تغيب. هناك تبقى الذكريات عامرة، متجذرة في أرض لا تبيد ولا تميد، تحفظ ملامح المكان وروح الإنسان.
في لقائنا مع الباحث نبيل عجمية، كان للبيت العتيق في قرية حلبكو حكاية يرويها بأنشودة صباح، قائلاً:
وقفت عند عتبة هذا البيت التراثي، وكأنني أقف أمام صفحة حية من كتاب الزمن. حجارة بيضاء صامتة، لكنها تروي لمن يحسن الإصغاء حكايات أجيال تعاقبت تحت هذا السقف، ونسجت من التعب والمحبة والانتماء قصة مكان لم تغادره الذاكرة.
في كل حجر أثر يد بنّاءة، وفي كل زاوية نبض حياة كانت عامرة بالدفء والبساطة. هنا كانت الأبواب تُفتح للضيوف بمحبة، مرددين: العتبة لنا والصدر لكم، وتتعالى أصوات السمر في الليالي الهادئة، فيما تحفظ الجدران أسرار السنين وتفاصيل الأيام الجميلة.
ويضيف عجمية أن البيت ما زال يقف شامخاً رغم مرور الزمن، متحدياً عوامل الطبيعة وتقلبات الحياة، وكأنه يؤكد أن التراث ليس مجرد حجارة قديمة، بل هوية راسخة وجذور تمتد عميقاً في الأرض والوجدان.
وبين ظلال الأشجار وعبق المكان، يبدو المشهد وكأنه لقاء بين الماضي والحاضر، يحمل فيه الباحث رسالة وفاء لذاكرة الأجداد، ودعوة إلى صون الإرث الذي صنع ملامح هذه الأرض وأهلها، وحفظه للأجيال القادمة.
إنها ليست صورة لبيت تراثي فحسب، بل حكاية انتماء تختصر ذاكرة مكان، وتعيد إلى الأذهان زمناً كان فيه الحجر شاهداً على الكرامة، والبيت عنواناً للأصالة، والتراث جسراً يصل الماضي بالمستقبل، لتبقى أناشيد الصباح منقوشة على حجارته البيضاء، تروي للأيام قصة وطن لا يشيخ.


