الوحدة ـ سهى درويش ـ سنان سوادي
يكتسب الاستزراع السمكي البحري أهمية متزايدة في ظل ارتفاع الطلب على الغذاء، والحاجة إلى مصادر مستدامة للبروتين الحيواني، ولم يعد هذا مجرد خيار إنتاجي، بل أصبح ركيزة أساسية لدعم الأمن الغذائي، وتخفيف الضغط على المخزون السمكي الطبيعي، إلى جانب دوره في توفير فرص العمل وتحفيز الاستثمار في المناطق الساحلية، وتوجيه الأنظار إلى هذا القطاع بوصفه أحد الحلول العملية لتحقيق تنمية اقتصادية ووارد غذائي هام.
وللوقوف عند واقع الاستزراع السمكي في مياه اللاذقية، والخطط والمشاريع أوضحت الهيئة العامة للثروة السمكية لجريدة الوحدة أن الاستزراع السمكي في المياه المالحة مايزال ضمن تجارب خجولة نوعاً ما، ولم يتم إيلاء هذا القطاع اهتماماً أيام النظام البائد، لذلك لا يوجد حالياً سوى مزرعة أقفاص محمية واحدة تعمل، وبعض المزارع الشاطئية التي كانت مفعّلة سابقاً لكنها توقفت عن العمل لأسباب عديدة.
دراسات وخطط استراتيجية
وأشارت الهيئة إلى قيامها بدراسة على امتداد الشاطئ لمعرفة أفضل المواقع المناسبة لإنشاء مزارع الأسماك البحرية، وإعداد دراسات وخطط استراتيجية تضمن تأمين جميع مستلزمات الإنتاج من الزريعة والأعلاف، إلى إنشاء معامل مستلزمات الإنتاج، وتعريف المستثمرين بأهمية هذا القطاع والعائد الاقتصادي الكبير الناتج عن الاستثمار فيه.
مشاريع حالية
وأوضحت الهيئة أنه يجري حالياً التجهيز لتنفيذ عدد من مشاريع الأسماك البحرية وخصوصاً في الأقفاص العائمة، حيث تم اختيار عدة مواقع على طول الساحل السوري، كما أعدت المؤسسة مصفوفة لإقامة عدة مشاريع مرتبطة بإنتاج الأسماك (معامل أعلاف – مفرخ أسماك بحرية – معامل شباك) لطرحها للاستثمار سواء بالشراكة أو من قبل القطاع الخاص.
وبيّنت الهيئة أن أهم الأنواع التي تركز عليها في الاستزراع البحري هي سمك القجاج Sea) bream) وهو مربى حالياً في مزرعة الفاضل، وتعمل المؤسسة على إدخال أنواع جديدة مستزرعة عالمياً كأسماك البراق (sea bass)، ويعتبر هذان النوعان من أكثر أنواع الأسماك البحرية استزراعاً في العالم.
وتقوم المؤسسة بإجراء دراسات لإدخال أحياء بحرية أخرى كالقريدس للاستزراع محلياً، وحالياً لا يوجد تفريخ للأسماك البحرية في سوريا، ويتم تدريب كوادر المؤسسة على عمليات التفريخ الصناعي للأسماك البحرية في سوريا عن طريق البعثات والدورات التدريبية، وتقديم التسهيلات اللازمة للمستثمرين الراغبين بإنشاء مفرخات بحرية.
التحديات والصعوبات
وكشفت الهيئة أن أبرز التحديات التي تواجه مشاريع الاستزراع السمكي هي قلة الدراسات والأبحاث عن القطاع سابقاً، وبالتالي المؤسسة بحاجة للقيام بجمع البيانات وتحليلها وتبيان نقاط القوة والضعف، وتم إعداد الدراسات لبعض المشاريع ليتم رصد الاعتماد المالي لها وتنفيذها ضمن خطط المؤسسة في الأعوام القادمة، ومن ناحية الأعلاف فلا يتوفر في سوريا أي معامل مختصة بتصنيع اعلاف الأسماك البحرية وتم إعداد دراسات لإنشاء معامل في خطة المؤسسة لتطوير القطاع، كما أن ارتفاع تكاليف التشغيل ( محروقات – كهرباء) تشكل عائقاً أمام تطوير القطاع.
خارطة استثمارية
ولفتت الهيئة إلى أنها تعمل على إعداد خريطة استثمارية للمواقع البحرية التي يمكن إقامة مشاريع فيها بهدف طرحها للاستثمار، وتفعيل عمل المفرخ البحري الموجود في طرطوس لتأمين الزريعة اللازمة لهذه المشاريع، وتجهيز معامل أعلاف لتأمين اللازم منها محلياً، وتقديم دراسات الجدوى الاقتصادية لمشاريع الاستزراع السمكي البحري للراغبين في الاستثمار، وإقامة ندوات لتعريف المستثمرين بأهمية هذه المشاريع، كما تقوم المؤسسة لاحقاً بتقديم مستلزمات الإنتاج (علف – اصبعيات – شباك …..) بأسعار منافسة بهدف دعم هذا القطاع، مشيرةً إلى أن توجهها الحالي نحو الزراعات المكثفة والتي تشكل الأقفاص العائمة الركيزة الأساس لها، كما تعمل المؤسسة على تأمين مواد أولية علفية من أفضل الخامات العالمية بهدف تكوين خلطات علفية تتناسب مع أحدث نظم التربية العالمية.
حلول مرنة
من جهتها أوضحت رئيس قسم الثروة السمكية في المعهد العالي للبحوث البحرية بجامعة اللاذقية الأستاذة الدكتورة شيرين حسين أن الاستزراع السمكي في المياه المالحة ما يزال في خطواته الأولى، مشيرةً إلى وجود مزرعة أقفاص عائمة بحرية وحيدة في مدينة جبلة ويتم العمل حالياً على تفعيل المزرعة الأخرى الموجودة في برج اسلام.
ونتيجة ذلك بلغت مساهمة الاستزراع في المياه المالحة نحو 400 طن من إجمالي الإنتاج الكلي الذي تخطى 30 ألف طن منذ بداية العام الحالي وحتى نهاية شهر آذار الماضي.
وأضافت بأن أنظمة الأقفاص العائمة تلعب دوراً محورياً في تربية الأحياء البحرية من خلال تقديم حلول مرنة وفعالة لتربية الأسماك، وتتيح هذه الأنظمة زيادة الإنتاج مع تقليل التأثيرات البيئية مقارنة بطرق تربية الأسماك التقليدية، حيث أنّها توفر بيئة مثالية تدعم النمو الأمثل للأسماك، وتقلل من خطر تفشي الأمراض، وتعزز كفاءة الإنتاج بشكل عام.
ولفتت د.حسين إلى وجود إمكانات طبيعية واعدة لدعم مشاريع الاستزراع السمكي البحري، حيث تتميز البيئة البحرية السورية بخصائص فيزيائية وكيميائية مستقرة ملائمة لتربية الأحياء المائية الاقتصادية، إضافة إلى إمكانية إنشاء المزارع السمكية الشاطئية.
بديل صحي
وأشارت د.حسين إلى أن هذا النوع من الاستزراع يلعب دوراً كبيراً في تحقيق الأمن الغذائي عبر توفير بديل صحي عن اللحوم الحمراء غنيّ بالبروتين عالي الجودة والسهل الهضم والغني بأحماض الأوميغا 3، وبالتالي إسهامه بشكل كبير في تقليل الاعتماد على الاستيراد وسد الفجوة الغذائية المحلية من خلال إمداد الأسواق المحلية بالمنتجات البحرية والعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
إضافةً إلى الدور الذي لا يُستهان به في تقليل الضغط على المصائد البحرية الطبيعية، مشيرةً إلى ضرورة أن تتركز الأنواع المُستزرعة بحرياً على أسماك القجاج، والبراق، بالإضافة إلى محاولات استزراع القريدس.
التحديات
وبينت د.حسين أن من أبرز التحديات التي تواجه مشاريع الاستزراع السمكي في المياه المالحة هي التكاليف التشغيلية، حيث يتطلب إنشاء المزارع البحرية رأس مال كبير لتغطية تكاليف التأسيس وتوفير إصبعيات الأنواع المُستزرعة كبديل لاستيرادها، وتوفير الأعلاف، حيث تُشكل تكاليف الأعلاف نحو (60٪ – 70٪) من تكاليف الإنتاج، وتعتمد سوريا بشكل كبير على استيراد الأعلاف ومكونات العلف المتخصصة للأسماك البحرية (ذات النسب العالية من البروتين)، حالياً يتمّ إنشاء معمل لتصنيع الأعلاف الأمر الذي سوف يخفف من تكاليف استيراده، إضافةً إلى تكاليف الطاقة اللازمة لتشغيل مضخات المياه ووحدات التهوية في المزارع الشاطئية.
تقنيات حديثة للتطوير
ولفتت د. حسين إلى أن أبرز التقنيات التي من الممكن أن تُسهم في تطوير الاستزراع السمكي البحري هو استخدام الأنظمة ذات الميزات المتقدمة، مثل آليات التغذية الآلية، كما أنّ البدء بالتفريخ المحلي سيسهم إلى حدٍ كبير في التخفيف من أعباء استيراد الاصبعيات وبالتالي زيادة جدوى الإنتاج.
ونوهت د . حسين إلى أن الاستزراع السمكي البحري يعتبر إحدى الركائز التي يمكن الاعتماد عليها للحفاظ على الثروات الحية وسد العجز بين العرض والطلب في المخزون الطبيعي للأسماك البحرية، كما يمكن أن يكون حلاً استراتيجياً حيوياً لتلبية الطلب المتزايد على البروتين الحيواني، وبالتالي بديلاً هاماً للحد من الصيد الجائر الذي يهدد بقاء أنواع عديدة من الأسماك، وذلك من خلال تربية الأنواع المطلوبة للسوق المحلية، وبالتالي تقليل الطلب على الصيد البحري وتخفيف الضغط عن المصايد الطبيعية من خلال توفير إنتاج تجاري مستدام ومراقب، الأمر الذي يعطي فرصة للمخزونات السمكية البحرية الطبيعية بالتكاثر والتعافي الطبيعي والمحافظة على استدامتها.
مشاريع مجدية اقتصادياً
وتحدثت د. حسين عن الجدوى الاقتصادية للاستزراع السمكي البحري، مشيرة إلى أنه من المشاريع الاقتصادية الواعدة والمجدية اقتصادياً سواء على المدى المتوسط أو المدى البعيد، وتشمل فرص الاستثمار الحالية المتاحة التوسع بإقامة المزارع الشاطئية (الأحواض الأرضية) وإنشاء مزارع بحرية أخرى تعتمد الاستزراع في الأقفاص العائمة على طول الساحل السوري.
كما يمكن إنشاء معامل أخرى لتصنيع الأعلاف السمكية تغطي حاجة السوق المحلية والانتقال إلى التصدير، ويمكن أيضاً إنشاء معامل لتصنيع الشباك التي تُستخدم في صنع الأقفاص العائمة، الأمر الذي يخفف من أعباء استيراد هذه الشباك، بناءً على الاستراتيجية المتبعة من قبل الهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية، والرامية إلى بلوغ إنتاج يصل إلى مئات آلاف الأطنان، ويحقق ذلك عوائد مرتفعة مع مرور الوقت، وعلى المدى البعيد، ومن الممكن أن نصل إلى فائض في الإنتاج السمكي يمكن تصديره إلى الأسواق الخارجية، ما يجعله قطاعاً استراتيجياً مربحاً.
مستقبل الاستزراع السمكي البحري
وختمت د.حسين التأكيد بأن مستقبل الاستزراع السمكي البحري في سوريا واعد، إذ تعمل وزارة الزراعة والهيئة العامة للثروة السمكية والأحياء المائية للنهوض بقطاع الاستزراع السمكي البحري والانتقال من تغطية الفجوة الغذائية المحلية إلى التصدير، كما أنه من الضروري تكاتف الجهود بين مجتمع الباحثين وصانعي القرار على حدٍّ سواء للنهوض بهذا القطاع الحيوي، حيث يتطلب هذا القطاع المزيد من الدراسات العلمية لتطوير تقنيات محلية جديدة تسمح بتقليل التكاليف وتحسين كفاءة الإنتاج، وتطوير سلالات أسماك محسّنة وأكثر مقاومة للأمراض.


