الوحدة – بثينة منى
تصوير- نادر منى
تزدحم شوارع وساحات مدينة اللاذقية هذه الأيام بحركة لافتة، معلنة بدء العد العكسي لاستقبال شهر رمضان المبارك، وبين روائح التوابل المنبعثة من الأسواق القديمة ومنظر التمور والعصائر التي بدأت تتصدر الواجهات، ترتسم لوحة تجمع بين الرغبة في إحياء الطقوس الرمضانية وبين واقع اقتصادي فرض نمطاً جديداً من الاستهلاك.
في جولة لصحيفة الوحدة في أسواق (الريجي والصليبة والشيخ ضاهر)، يقول أبو علي صاحب محل لبيع الزينة والإكسسوارات في سوق الريجي: هذا العام مختلف، البضائع متنوعة وأسعارها مناسبة أكثر من السنوات الماضية، بفضل انفتاح الاستيراد، الفوانيس الصغيرة تبدأ من 6 آلاف ليرة، وحبال الإضاءة حسب الطول، الناس هذا العام تبحث عن أي شيء ينشر البهجة، حتى لو كان بسيطاً، مضيفاً المواطن يريد أن ينسى همومه ولو للحظات، والزينة أقل ما نقدمه لأطفالنا ليعيشوا روح رمضان.
مريم ربة منزل كانت تتفقد أسعار البقوليات والزيوت، قالت: بهجة رمضان لا تكتمل إلا بجمعة العائلة، لكننا نشتري بالحبة والغرام، نحاول تأمين الأساسيات فقط مثل العدس والأرز والتمور، وغابت الكثير من الكماليات عن قائمتنا بسبب ارتفاع الأسعار الذي فاق التوقعات.
من جانبه، يرى أبو محمد (موظف) أنه رغم الغلاء هناك إصرار على شراء زينة رمضان لإدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال، فالطقوس الروحية والاجتماعية أقوى من الظروف المادية.
أصحاب المحلات التجارية بدورهم، وصفوا الحركة الحالية بـ المقبولة من حيث الازدحام، ولكنها ضعيفة من حيث القوة الشرائية، يوضح أبو أحمد صاحب محل لبيع العطارة والتمور: الناس يسألون عن الأسعار أكثر مما يشترون، لقد تغيرت ثقافة الشراء، فمن كان يشتري بالكيلو، أصبح يطلب اليوم ربع كيلو أو كميات محدودة جداً تكفي لأيام قليلة، مضيفاً نحاول تقديم عروض وتخفيضات قدر الإمكان، لكن كلفة الشحن والمواد الأولية مرتفعة علينا أيضاً، ومع ذلك يبقى لرمضان خصوصيته التي تحرك الأسواق ولو بالحد الأدنى.
وفي أحد محال الحلويات بمنطقة “الأميركان”، يقف محمد خير وهو صاحب محل، ليروي تفاصيل التحضير: قبل رمضان نبدأ بتحضير العروض الخاصة بالمعروك، ونتأكد من توفر العرقسوس والتمر الهندي. الزبائن يبدأون بالتوافد بشكل كثيف قبل أذان المغرب بنحو ساعة، وهذا المشهد يعطينا طاقة إيجابية رغم التعب، لكنه يستدرك الوضع الاقتصادي صعب، والتاجر مثله مثل المواطن، نضطر لرفع السعر قليلاً لأن أجور النقل زادت، وأسعار المحروقات تنعكس على كل شيء، نحن نحاول تقديم عروض، ونتمنى أن يتحسن البيع خلال الشهر.
وفي لفتة إنسانية تعكس روح التضامن في الشهر الفضيل، بدأت بعض الفرق التطوعية بتوزيع صناديق جمع التبرعات على أصحاب المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية، لمساعدة العائلات النازحة والمحتاجة في المدينة، في مشهد يذكر الجميع أن شهر رمضان هو شهر العطاء والمشاركة، وعلى مقلب آخر، بدأت بعض الجمعيات والمبادرات الشبابية في اللاذقية بتحضير السلال الرمضانية لتوزيعها على العائلات الأكثر احتياجاً، في مشهد يجسد قيم التكافل الاجتماعي التي تميز المحافظة خلال الشهر الفضيل.
بين ترقب الأهالي لصدور نشرات أسعار أكثر رفقاً وبين استعدادات المحلات التجارية، تستقبل اللاذقية رمضان بقلوب تفيض بالأمل، وشوارع تتزين بالفوانيس،
تبقى المدينة معلقة بين روحانيات الشهر الفضيل وهموم المعيشة، متسلحة بذاكرة مكان لا يموت وألفة لا تنقطع بين أهله.





