الوحدة – سها أحمد علي
في الأيام الماضية، هزّت وسائل التواصل الاجتماعي نبأ وفاة شابة في مستشفى المجتهد بدمشق، إثر إصابتها بمرض نادر يُعرف بـ”خناق لودفيغ”.
وهذا المرض الذي يبدأ بوجع عابر في الضرس، يتحول سريعاً إلى سباق مع الزمن يهدد مجرى الهواء.
ومن هذا المنطلق، أجرت صحيفة الوحدة هذا الحوار مع الدكتورة نسرين عبدالله، اختصاصية في صحة الفم والأسنان، لتسليط الضوء على تفاصيل هذا الخطر الصامت، ومعرفة أعراضه، وسبب تسميته، ولماذا تُعد عيادة الأسنان خط الدفاع الأول ضده.
كثيرون يسمعون لأول مرة عن هذا المرض.. فما هو تعريفه الطبي، ولماذا أثار هذا الخوف مؤخراً؟
“خناق لودفيغ” هو التهاب خلوي سريع الانتشار يصيب أرضية الفم والرقبة، وينجم غالباً عن عدوى بكتيرية مصدرها الأرحاء السفلية، وخصوصاً أضراس العقل. ورغم ندرته، إلا أن خطورته تكمن في قدرته على إغلاق مجرى الهواء خلال ساعات.
وتُعد حادثة مستشفى المجتهد ليست الأولى من نوعها، لكنها تحذير صارخ بضرورة الانتباه لأي التهاب في الأرحاء السفلية، خاصةً المصاحب لالتهاب اللثة حول ضرس العقل، فهذه الحالات تستدعي التدخل المبكر لمنع تكرار المأساة.
هل صادفتِ هذه الحالة في عيادتك؟ وكيف يكون التصرف الأولي السليم؟
التصرف الأمثل يبدأ بالتدخل المبكر لعلاج الخراجات السفلية قبل انتقال العدوى إلى العظام والمسافات بين العضلات.
فالوقاية خير من العلاج، إذ بمجرد انتشار الالتهاب وتشكّل الانتفاخ المميز تحت الذقن، قد نضطر إلى التدخل الجراحي لفتح مجرى التنفس، إلى جانب إعطاء المضادات الحيوية عبر الوريد في المستشفى. لذلك، نؤكد على أهمية الكشف المبكر لتجنب هذه المرحلة الحرجة.
يُقال إن 90٪ من الحالات تبدأ من ضرس العقل السفلي.. فلماذا هذه المنطقة تحديداً تشكّل خطراً بهذا الشكل؟
تعود الخطورة إلى الموقع التشريحي للضروس السفلية، وخصوصاً أضراس العقل، فهي تقع تحت عضلات أرضية الفم مباشرة، وتتجاور جذورها مع الحيز تحت الفكي والتحت لساني. وهذا الممر التشريحي يسمح للعدوى بالانتشار عمودياً بسرعة إلى الرقبة، بعكس الضروس العلوية التي تنتشر العدوى فيها نحو الخد، مما يجعل سرعة تفاقم الالتهاب في هذه المنطقة تفوق أي منطقة أخرى في الفم.
هل هناك فئات أكثر عرضة للخطر، كمرضى السكري أو نقص المناعة؟ وماذا تنصحينهم تحديداً؟
بالتأكيد، مرضى السكري، ومن يعانون نقص المناعة، هم الأكثر عرضة لتطور الالتهاب بوتيرة سريعة.
أنصحهم بضبط مستويات السكر في الدم، وعدم تجاهل أي احمرار أو تورم في اللثة، ومراجعة الطبيب فوراً عند الشعور بألم في الأرحاء السفلية. فضعف المناعة لديهم قد يحوّل خراجاً بسيطاً إلى حالة مهدّدة للحياة خلال ساعات قليلة.
كيف تفرقين بين تورم اللثة العادي وبين بوادر هذا الخناق في العيادة؟ وما هي العلامة الحمراء التي تستدعي التوجه الفوري؟
الفرق شاسع٬ فالتورم اللثوي العادي يكون موضعياً ومؤلماً، لكن بوادر خناق لودفيغ تظهر بانتفاخ صلب ومزدوج الجانب تحت الذقن، مع ارتفاع اللسان إلى الأعلى والخلف، وصعوبة في البلع، وزيادة ملحوظة في إفراز اللعاب. أما العلامة الحمراء المطلقة التي تستدعي الطوارئ٬ فهي ظهور صعوبة في التنفس أو بحة في الصوت. وهنا لا مجال لوصف مضادات حيوية فموية، بل يجب النقل الفوري إلى المستشفى لاتخاذ إجراءات الإنقاذ.
هل الفحص السريري كافٍ لتشخيص الحالة، أم لا بد من الأشعة المقطعية؟
الفحص السريري الدقيق، مع ملاحظة ارتفاع اللسان وصعوبة البلع، يكفي غالباً لاتخاذ قرار الطوارئ الأولي. لكن الصورة الشعاعية أو المقطعية تبقى ضرورية لتقييم مدى انتشار الالتهاب في المسافات العميقة، وتحديد السن المُسبّب بدقة، وتساعدنا في التخطيط للتدخل الجراحي إن لزم الأمر. فهي ليست شرطاً للبدء بالعلاج، لكنها أداة مكملة لا غنى عنها.
ما رسالتك للشخص العادي الذي يؤلمه ضرسه، ولا يجد وقتاً لزيارة العيادة؟
رسالتي واضحة: أنصح بفحص دوري للأسنان كل ستة أشهر، مع التصوير الشعاعي الروتيني للكشف المبكر عن العوامل الخفية. ولا تستهينوا بأي ألم سني، فالنخر الصغير قد يتطور إلى خراج، والخراج قد يكون البوابة المؤدية إلى هذا الخانق القاتل. صحتكم لا تحتمل التأجيل، وعيادة الأسنان ليست رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على حياتكم.
ختاماً، يظل “خناق لودفيغ” دليلاً على أن إهمال ألم الأسنان قد يحوّله إلى تهديد للحياة.
والخلاصة، كما أوضحت الدكتورة نسرين، أن هذا الألم ليس ترفاً يُؤجّل، بل إنذاراً قد ينقذ الحياة إذا استجبت له مبكراً. فعيادة الأسنان ليست للجمال فحسب، بل للنجاة أيضاً.


