المحاسبة حق للضحايا ومسؤولية للدولة

3 دقيقة للقراءة

الوحدة – فريق التحرير
 
لقد أعلنت الدولة السورية منذ الأيام الأولى للتحرير أن ملف محاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات في عهد النظام البائد يمثل أولوية وطنية، وعملت على ملاحقة المتورطين وتقديمهم إلى القضاء، في تأكيد واضح على أن الدولة لا تتجاهل هذا الملف وتعاملت معه عبر المؤسسات المختصة القادرة على جمع الأدلة وتحديد المسؤوليات وإصدار الأحكام وفق القانون.
 
إن مطالب الضحايا وذويهم بكشف الحقيقة وإنصاف المتضررين تمثل مطلباً مشروعاً لا يمكن تجاوزه في مرحلة بناء سوريا الجديدة، غير أن أهمية هذا المطلب لا تقل عن أهمية الطريقة التي يُنفّذ بها، فالمحاسبة حق للضحايا ومسؤولية الدولة ومؤسساتها القضائية، والعدالة التي يسعى إليها السوريون لا يمكن أن تتحول إلى مسار قائم على ردود الفعل والانفعالات، ومن هنا تبرز الحقيقة الأساسية التي ينبغي التمسك بها وهي، نعم للمحاسبة عبر القانون.
 
 
لا يمكن لأحد إنكار الجهود المبذولة من قبل الجهات المختصة في ملاحقة مرتكبي الانتهاكات بحق الشعب السوري، إذ تتواصل عمليات الملاحقة والتحقيق بحق من توجد حولهم شبهات أو اتهامات تتعلق بارتكاب جرائم، ضمن مسار قانوني يهدف إلى حماية الحقوق ومنع ضياعها، كما أن سير العملية القضائية يقوم على قواعد العدالة وضمانات المحاكمة العادلة.
 

وفي الوقت ذاته فإن حماية السلم الأهلي تشكل جزءاً من ضمان تحقيق حقوق الشعب بصورة مستدامة وعادلة، فالدولة لا تحمي المتورطين بدماء السوريين، وإنما تضعهم أمام القضاء، كما أنها لا تسمح بأن يتحول مطلب العدالة إلى تصفية حسابات خارج إطار القانون.
 
 
إن العدالة الانتقالية هي مشروع متكامل يشمل كشف الحقيقة، ومعرفة مصير الضحايا والمفقودين، وجبر الضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وإعادة بناء المؤسسات على أسس مختلفة عن المرحلة السابقة، كما أن إعادة بناء الدولة تتطلب تنقية المواقع الحساسة من كل من يثبت تورطه في الانتهاكات، لكن ذلك يتم عبر آليات التدقيق والمساءلة القانونية، لا عبر الفوضى أو الأحكام الجماعية.
 
 
لقد واجهت الدولة السورية الجديدة تحديات كبيرة كان من أبرزها بناء المؤسسة العسكرية وإعادة تشكيل الهيكلية الأمنية، وهما مساران ضروريان لتحقيق الاستقرار وترسيخ سيادة القانون، ولكي تستطيع الدولة معالجة إرث الانتهاكات التي ارتكبها نظام الهارب.
 
 
سوريا اليوم أمام فرصة تاريخية لتأكيد أن ثورتها لم تقم لاستبدال ظلم بظلم، ولا لنقل البلاد من قبضة الاستبداد إلى الفوضى، لقد دفع السوريون أثماناً باهظة من دمائهم من أجل دولة يحكمها القانون وتُصان فيها الحقوق، لذلك فإن دماء الشهداء أمانة في يد القضاء، والعدالة الحقيقية هي التي تُنصف الضحايا وتحاسب المجرمين وتحمي المجتمع في آن واحد.
 
 
نحن مع المحاسبة محاسبةً كاملة لا تفرط بحق أحد ولا تُسقط جريمة مجرم، مع محاسبة تجري في أروقة القضاء وتحت سقف القانون، فمن أجل دولة القانون، ومن أجل عدالة تُنصف، يبقى الطريق الواضح هو أن نحاسب لنبني لا لننتقم، وأن نحتكم للقانون.

إرسال تصحيح لـ: المحاسبة حق للضحايا ومسؤولية للدولة

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *