الوحدة- يمامة ابراهيم
تحت سقف الدولة وعلى مصلحتها ووفق توجهاتها يجب أن يسير الجميع، والدولة عندما قالت إنها تريد عدالة بلا انتقام كانت تعي وتتوخى مصلحة الجميع، ومن أجل أن لا يضيع حق أنشئت هيئة العدالة الانتقالية لتكون مساراً وطنياً يحفظ حق الضحايا والمهجرين وكل من تعرض لانتهاك، ويخطئ من يظن أن الدولة تخلت أو تراجعت قيد أنملة عن هذا المسار، وكل متابع للشأن العام يعرف ذلك وبنفس الوقت على الجميع أن يعرف أن هذا المسار طويل وشاق، ويشكل تحدياً كبيراً وليس سهلاً إنجازه سريعاً، ولهذا ليس مقبولاً من أحد التشكيك بجدية الدولة في المحاسبة وتقديم المتورطين إلى العدالة ليقول فيهم القانون كلمته، وبنفس الوقت لا يجوز لأحد أو جماعة مهما بلغت مظلوميتها أن تنصب نفسها مكان الدولة، وتقوم بأعمال انتقامية عشوائية تؤدي إلى الفوضى وتسيء لمسار العدالة.
إن ماتشهده بعض مناطق ومدن سوريا من وقفات احتجاجية وحراك متصل بمسار العدالة والمطالبة بالمحاسبة لم يكن يوماً أمراً منسياً أو يلفه التجاهل، بل كان حاضراً وبقوة بحيث لا يتمكن مجرم من الإفلات من القانون، والدولة تتفهم بعمق أحقية هذه المطالب، وتقف بإصغاء أمام كل الأصوات، وإنما بحكم مسؤوليتها ووظيفتها تسعى لنقل هذا الملف من الشارع إلى المؤسسات وتحت مظلة القانون كي لا تطغى عمليات الثأر العشوائية وتصفية الحسابات على منطق القانون والعدالة، فالدولة ترى أن المحاسبة يجب أن تبقى في نطاق القانون، ولا عفو عن مجرم ولا إفلات من العقاب لمرتكب جريمة.
الدولة كانت ولا زالت تؤكد أن ملف المفقودين والمعتقلين والضحايا ليس ملفاً قانونياً فحسب، وإنما هو ملف إنساني وحقوقي وبقدر ما تمضي به وتكشف مرتكبي الانتهاكات وتقدمهم للعدالة تبني جسور الثقة مع مواطنيها وتحقق العدالة وسيادة القانون.
لا نعتقد أن أحداً بيننا إلا ويريد الاستقرار الذي هو نقيض الفوضى، والاستقرار يبدأ من سيادة القانون لا من تجاوزه أو الاحتكام إلى الشارع، وبالتالي يكون كمن يجر البلاد إلى الهاوية، وهذا سلوك يتنافى مع تجارب كل المجتمعات التي لم تعرف للتعافي طريقاً إلا بتمجيد العدالة ورفض الثأر.
معالجة أخطاء الماضي لا تكون باستبدال مظلمة بمظلمة، وحلول واحدة مكان أخرى لأننا بذلك ننتج نفس الحالة، وهذا يتنافى مع أخلاقية الثورة السورية التي أقرت منذ اللحظات الأولى للانتصار أن المحاسبة حق للضحايا، لكنها تصبح أكثر قوة عندما تكون عبر مؤسسات الدولة ووفق أحكام القانون ومسار عدالة يضمن مثول كل متورط إلى المحاسبة ويحفظ حق الضحايا.
تحكيم العقل والابتعاد عن إثارة غبار الفوضى والابتعاد عن تجييش الشارع عوامل مساعدة لمسار العدالة، وتحت هذه العناوين يجب أن يلتقي السوريون تاركين لدولة القانون أن تمضي في المحاسبة لأن المحاسبة تبني، والفوضى تهدم وشتان بين المفهومين.


