الوحدة – نعمان أصلان
تصوير- ثائر زيدان
غابت قصص البحر ومغامراته عن جلسات الصيادين البسطاء، وحدها هموم المهنة والكفاح في سبيل الحصول على لقمة العيش هي التي باتت تسيطر على جلساتهم، والتي كان لنا حضور إحداها مع مجموعة من الصيادين في ميناء الصيد، ورئيس جمعيتهم في مدينة جبلة لنروي معاناتهم علّها تلقى حلولاً.
دعم غائب
بداية تحدث رئيس جمعية صيادي جبلة عبدالله الزيات بأن الجمعية تضم العاملين في هذه المهنة من جبلة وسوكاس، ويبلغ عددهم نحو ١٨٠ صياداً، وعدد مراكب الصيد التي يعملون فيها ما يقارب ١٦٠ مركباً، و ١٢٥ مستثمراً، والباقي لا يعمل حالياً، وأضاف الزيات بأن الصيادين كانوا مهمشين خلال عهد النظام البائد، ولم يتلقوا أي دعم حتى من المنظمات، وإلى الآن مازالت المعاناة مستمرة، فمادة المازوت التي يشغّلون فيها مراكب الصيد يشترونها بأسعار السوق، وهو ما يزيد من تكاليف عملهم، وحاجة صاحب المركب تصل إلى ٢٠ ليتراً بالمتوسط، وهو ما يجعل الصياد بالكاد يحصّل من ناتج عمله ثمن المحروقات التي يدفعها في ظل الظروف الراهنة، والتي بات فيها أغلب الصيادين يقعون تحت وطأة الدّين لأصحاب المسامك، علماً أن الكثير منهم في أوضاع مادية صعبة ولا يملكون بيوتاً، ومازالوا يسكنون بالأجار على الرغم من أهمية مصلحتهم التي يستفيد منها عدد كبير من أصحاب المصالح المرتبطة بها مثل تجار الشبك، والصنارة، ومنظف السمك، وأصحاب المسامك، وعمال الحدادة والدهان للمراكب وغيرهم ناهيك عن كونها تؤمن حاجة السوق من الأسماك.
تكاليف عالية
لفت رئيس الجمعية إلى أن من أهم المشاكل التي تواجه الصياد اليوم ارتفاع تكاليف مستلزمات عمله التي تهرّب من الدول المجاورة بأسعار مرتفعة، حيث يصل سعر كيلو الشبك إلى ٥٠٠ ألف ليرة على سبيل المثال، بينما لا يتجاوز سعره في الدول المجاورة عن ٣دولات، وهو مايطرح السؤال عن سبب عدم استيراد تلك المواد من قبل الدولة لمنع الاستغلال الذي يتعرض له الصياد في هذا المجال، ويضاف إلى تلك المشاكل التذاكر البحرية التي تصل تكاليف تجديدها إلى ٤٠٠ ألف ليرة، والتي تحتاج لاستصدار وثيقة غير محكوم، والتي قد يصعب على البعض الحصول عليها لكونه محكوم بجرم تمويني مثلاً.
أسماك مهربة
ومن المشاكل التي يعاني منها الصياد وفق ما نوّه إليه رئيس جمعية الصيادين في جبلة “الأسماك المهربة”، والتي تنتشر في السوق، وتؤثر على الإنتاج المحلي منها وأدت إلى كساده لكونها تُباع بأسعار منخفضة نتيجة كونها من الأنواع غير المرغوبة في بلد المصدر على الرغم من الخطر الصحي الذي تسببه كونها تنقل وتحفظ وتعرض بشكل مخالف للتعليمات المطلوبة، والجميع يعرف المضار التي تحملها تلك الأسماك وخصوصاً في فترة الصيف.
ويتابع الزيات بأن المستهلك الفقير ذوي الدخل المحدود يقبل على شراء تلك الأسماك كونها رخيصة الثمن مقارنة بالمنتج المحلي، حيث يصل سعر كيلو سمك الغبس المهرب ما بين٢٠ إلى٤٠ ألف ليرة مقابل ٧٥ ألف ليرة للمحلي منه، وكيلو سمك السلطان المهرّب إلى٧٠ ألف ليرة بعد أن كان سعره المحلي يصل إلى ٢٠٠ ألف ليرة، وهكذا بالنسبة لبقية الأنواع مع الإشارة إلى أن الدول الأخرى تتخذ إجراءات مشددة للحفاظ على منتجها المحلي ومنتجيه، وهو ما نأمل من حكومتنا اتخاذه بخصوص إنتاجنا.
أنواع ضارة من الأسماك
ومن المعوقات التي تواجه صيادي ميناء جبلة أيضاً وفق مابيّنه الزيات بعض الأنواع الضارة من الأسماك والموجودة في بحرنا مثل سمك البالون الذي تكاثر بشكل كبير نتيجة هجرته إلينا من البحر الأحمر بسبب ارتفاع درجات الحرارة، والتلوث الناجم عن رمي مخلفات الصرف الصحي والمعامل والرخام والنفط، وغسيل عنابر السفن النفطية دون رادع، وحتى الآن لم تتخذ إجراءات لمكافحة هذا النوع من الأسماك مثل العديد من الدول التي تشتريه من الصيادين لتقوم بإتلافه، أو تحويله إلى أسمدة عضوية، مشيراً إلى أنه يضاف لسمك البالون الذي يسبب ضرراً لشباك الصيادين سمك القرش، والذي بات يظهر بشكل ملحوظ على شواطئنا منذ نحو خمس سنوات نتيجة الصيد بالمتفجرات، والذي أمّن معلفاً مناسباً له.
قياس الشباك
أشار الزيات وعدد من الصيادين إلى المشكلة التي يعانون منها نتيجة منع العمل بفتحة الشباك من قياس ١٥ – ١٦ المناسبة لأنواع السمك الموجودة على شاطىء جبلة مثل الغبس والشكارميه والسكمبري والسلطان، وهذا المنع الذي أوقف نسبة كبيرة من الصيادين بدون عمل، ولفتوا إلى الدراسة التي تقوم بها الهيئة العامة للثروة السمكية لهذا الموضوع، معربين عن الأمل بتعديل تلك التعليمات المستندة إلى قوانين قديمة بحاجة إلى تعديل كي تتناسب مع واقعنا الحالي، وكي تنقل آليات العمل الموجودة لدينا إلى مستوى الدول الأخرى مثل تركيا التي يوجد فيها الآلاف من اللانشات التي تعمل بشكل منظّم ودون مشاكل.
احتكار الشنشيلا
وعن مراكب الشنشيلا تحدّث أحد الصيادين بأن أصحابها يحتكرون السوق، ويستغلون الظروف الجوية للتحكم في السوق باعتبارهم لا يقومون بعرض الكميات الكبيرة التي يصطادونها دفعة واحدة، بل على دفعات ووفقاً للعرض في السوق أي عند قلة العرض الناتج عن سوء الظروف الجوية التي تمنع باقي الصيادين من الصيد كي يجنوا أعلى الأسعار.
عمولة بيع مرتفعة
وفي التسويق للمنتج قصة وجع أخرى تحكى من قبل الصيادين الذين يدفعون ١٠% من قيمة مبيعاتهم مع ١٠% من وزن سمكهم لصاحب ساحة المزاد الذي بات عمله أربح من الصياد كون تكاليفه أقل من تكاليف الصياد وربحه أكبر، فالصياد يبذل التعب وثمن المازوت والشباك وعمولة البيع ليكون ربح صاحب الساحة أكبر، وهو جالس في محلّه، وهذا الأمر يحتاج إلى معالجة لإنصاف جميع الأطراف.
مصدر في الهيئة العامة للثروة السمكية يوضح
مصدر في الهيئة العامة للثروة السمكية أقر بوجود معاناة لدى الصيادين موروثة عن النظام البائد، ويتم العمل على إيجاد الحلول المناسبة لها، وحول الأسماك الضارة في بحرنا أفاد أن معظم تلك الأسماك غير أصلية في مياهنا، ويعود سبب وجودها إلى التغيرات المناخية التي تشهدها المنطقة، والهيئة تعمل حالياً من أجل التخفيف من آثار تلك الأسماك على الصيادين. أما الغاية من السماح باستيراد الأسماك فتكمن في سد حاجة السوق المحلية منها في ظل النقص الكبير في إنتاجنا السمكي، والذي لا يغطي سوى١٠% من الحاجة الفعلية اللازمة للوصول إلى مستوى استهلاك الفرد في الوطن العربي من الأسماك والمقدّر ب ١٢ كيلو غرام للفرد في العام مع العلم أن الهيئة تقوم وبالتعاون مع الجهات المعنية بمكافحة الأسماك المهرّبة التي قد تتواجد في الأسواق، والتي تمت مصادرة كميات منها لكونها مجهولة المصدر.
وحول شباك الشنشيلا قال المصدر بأنها وسيلة صيد مسموحة وفق الشروط المحددة في الأنظمة والقوانين والقرارات النافذة، و الجهة المسؤولة عن دخول وخروج تلك المراكب حالياً هي المديرية العامة للموانىء. أما الحديث عن احتكارهم للسوق فهو غير دقيق باستثناء بعض الصيادين أو أصحاب المحال الذين يملكون وسائل حفظ للمصيد تمكنهم من عرض إنتاجهم لمدة أطول وهذا أمر طبيعي.
وأضاف المصدر بأن الوضع الصعب للصيادين لايبرر لهم استعمال وسائل ممنوعة أو وسائل صيد مخالفة للمواصفات أو حتى استعمال وسائل صيد نظامية بطريقة مخالفة، والقوانين المعمول بها حالياً مناسبة لحماية المخزون السمكي، وأرجع المصدر غياب الأسماك الكبيرة عن شواطئنا إلى استعمال شباك ذات فتحات ضيقة، وإعادة السماح بتلك الوسائل سيساهم في استمرار تلك المشاكل لا حلها. واختتم المصدر بأن الهيئة تعمل حالياً لتعديل القوانين والقرارات المتعلقة بالصيد البحري وفي المياه العذبة لجعلها مواكبة للقوانين الدولية المعمول بها في هذا المجال.



