ازرعوا المحبة في حقول الأصدقاء

2 دقيقة للقراءة

الوحدة – هدى سلوم

في ألواح الفجر الأوغاريتية، حيث كانت رائحة البخور ترتفع مع أول خيوط الشمس، نُقشت حكمة خالدة مفادها أن الإنسان لا يكتمل وحده، كما لا تكتمل السنابل دون حقل، ولا يكتمل النبع دون من ينهل منه.

ويشير الدكتور غسان القيم إلى مكانة الصداقة في أوغاريت، مبيناً أنها كانت تُعد هبة من الآلهة، وجسراً من الطمأنينة يمتد فوق أنهار الوحدة، وأن الصديق لم يكن مجرد رفيق عابر، بل قيمة إنسانية تمنح الحياة معناها.

فالصديق ليس عابراً في دروب العمر، بل هو ملاذ الروح حين يضيق العالم. إنه الحقل الذي تزرعه بمحبة قلبك، فلا يثمر إلا سنابل الوفاء، ولا يحصد الزمن منه سوى الشكر. وكل كلمة طيبة تُغرس في تربته تتحول إلى شجرة وارفة، وكل موقف صادق يصبح ثمرة يانعة تتدلى على أغصان الأيام.

وهو أيضاً مائدة الروح حين تجوع إلى الأنس، وموقدها حين تبرد ليالي التعب. عنده تضع أثقالك كما يضع المسافر عصاه عند باب منزله، فلا يسألك عن سبب التعب، بل يفسح لك مكاناً بقرب دفء قلبه حتى تستعيد قوتك.

لقد أدرك حكماء أوغاريت أن الصداقة ليست تبادلاً للكلمات، بل تبادلاً للأرواح. فالصديق الحقيقي يشبه شجرة الزيتون العتيقة، قد لا يكثر الكلام، لكنه يمنح الظل والزيت والثبات في مواجهة الرياح. وحين تعصف بالحياة الأزمات، يقف إلى جوارك كصخرة من جبل صفون، لا تزعزعه المسافات ولا تبدله الفصول.

لذلك، إذا وجدت صديقاً يفتح لك قلبه كما تفتح الأرض صدرها للمطر، فاعلم أنك عثرت على كنز لا يُقاس بالذهب أو الفضة، فالصديق ليس من يشاركك الطريق فحسب، بل من يجعل الطريق أكثر نوراً ودفئاً، وأكثر استحقاقاً لأن يُسلك.

وهكذا تهمس إلينا ألواح الطين الخارجة من معابد أوغاريت برسالة لا يبهت معناها مع الزمن: «ازرعوا المحبة في حقول الأصدقاء، فإن السنابل التي تنبت هناك لا تعرف الجفاف، والنار التي تتقد في مواقد القلوب الصادقة لا تنطفئ أبداً.»

إرسال تصحيح لـ: ازرعوا المحبة في حقول الأصدقاء

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *