الوحدة – إيفا الحكيم
في خطوة لافتة تؤكد الدور المحوري للكلمة في صناعة المستقبل، استضاف فرع اللاذقية لاتحاد الكتّاب العرب ملتقاه الفكري الأول، تحت عنوان “دور المثقف في بناء سوريا الجديدة“. الملتقى، الذي انطلقت فعالياته أمس الإثنين، جمع نخبة من الأدباء والمثقفين لمناقشة التحديات والفرص التي تواجه سوريا في مرحلة التحول الفكري والمجتمعي.
الثقافة أوسع من القراءة.. رؤية أمل حورية
افتتحت الملتقى الأستاذة أمل حورية، رئيس فرع اتحاد الكتّاب العرب في اللاذقية، وفي تصريح خاص لجريدة الوحدة، شددت على أن الملتقى الممتد ليومين يهدف إلى إضاءة درب المسير نحو المستقبل. وفي تعريفها الملهم للثقافة، قالت حورية: “أعتبر كل مواطن سوري يحب وطنه هو إنسان مثقف، لكن الثقافة هنا تختلف بمعايير التعبير عن حب هذا الوطن.”
وأوضحت حورية أن الثقافة الحقيقية تتجلى في السلوكيات اليومية والمبادئ الإنسانية، وتابعت: “المواطن الذي لا يرمي الأوساخ إلا في مكانها الخاص هو أكثر ثقافة من الذي يرمي القمامة في الطريق. الإنسان الذي يعمل على رأب الصدع بين المكونات المحيطة حوله، والمتسامح مع جيرانه ورفاقه، هو أكثر ثقافة من الذي يصعّد الخلاف أو أعمى الحقد قلبه.”
ودعت حورية إلى ضرورة “تبلور ثقافتنا في التعبير عن محبتنا لبلدنا الحبيب”، مؤكدة أن سوريا، بعد “سنوات عجاف من القهر والظلم والاستبداد”، تستحق تعبيراً حضارياً وراقياً عن الحب. واختتمت حديثها برسالة مفادها: “هذا الملتقى ما هو إلا شمعة نضيئها في درب المسير نحو المستقبل الذي يتمناه كل إنسان سوري، لنصل إلى سوريا الموحدة التي لا تقصي أحداً من مكوناتها.”
من الشتات إلى الكلمة الحرة.. شهادة ابتسام شاكوش
تلت مداخلة رئيس الفرع، محاضرة جوهرية للأديبة الأستاذة ابتسام شاكوش، التي تناولت محاور تمس صميم الواقع السوري المستقبلي. وشددت شاكوش على الدور المحوري والمسؤولية التاريخية للمثقف في مرحلة إعادة البناء الفكري والمجتمعي لسوريا.
كما تطرقت شاكوش في حديثها إلى “معاناة الشتات”، مسلطة الضوء على أوجاع السوريين في المغتربات ودول اللجوء والتحديات الإنسانية والاجتماعية التي يواجهونها. واستعرضت الأديبة تجربتها الذاتية في مخيمات اللجوء، مؤكدة كيف كان للتكافل الاجتماعي، عبر الزراعة والأعمال اليدوية والتعليم، الدور الأكبر في نشر الوعي وبث الأمل.
وفي نقطة تحول، أكدت شاكوش على “قوة الكلمة بعد التحرير”، مبينة كيف اكتسبت أدوات التعبير حريتها وأصبحت سلطتها وتأثيرها أقوى وأعمق في مرحلة ما بعد التحرير، لتغدو السلاح الحقيقي في صياغة الوعي الجمعي. وخلصت الأديبة إلى أن طرحها يربط بين الهوية الثقافية والمعاناة الإنسانية وقوة الكلمة كأداة حرة لصناعة التغيير وبناء الوطن.
“سوريا من دون حكم الأسد” تعريف بسام جبلاوي للمرحلة الجديدة
من جانبه، قدم الأستاذ بسام جبلاوي، مدير جمعية العاديات في اللاذقية، تعريفاً جامعاً لمصطلح “سوريا الجديدة”، واصفاً إياها بأنها “مصطلح سياسي واجتماعي يشير إلى مرحلة التحول والانتقال في البلاد والتي تهدف إلى بناء دولة ديمقراطية حديثة قائمة على المواطنة المتساوية”. وبجملة رمزية قوية، أضاف جبلاوي: “الساعة الآن السادسة وثماني عشرة دقيقة تماماً بتوقيت دمشق، سوريا من دون حكم الأسد.”
واستعرض جبلاوي التطور التاريخي لدور المثقف عبر العصور، مسلطاً الضوء على المحطات الفارقة في هذا الدور، مؤكداً أن “القفزة النوعية في هذا الدور كانت بمجيء الإسلام الذي رفع من مكانة أهل العلم، وتجلى ذلك في أبهى صوره بأن أولى الكلمات التي نزلت في القرآن الكريم هي (اقرأ).”
واختتم جبلاوي حديثه بالتأكيد على أن المثقف لم يتراجع يوماً عن أداء رسالته، بل ظل قادراً على التكيف مع متطلبات كل عصر، مشدداً على التحول الجوهري في أدوات النضال والثقافة، وكيف انتقلت سلطة التأثير من قوة السلاح إلى قوة الكلمة.
واختتم اليوم الأول من هذا الملتقى الفكري بمداخلات قيمة ومثرية من قبل الحضور، ما عكس أهمية الموضوع المطروح، وقد أدار جلسات الملتقى وقدمها الأستاذ محمد حجازي.




