المخدرات آفة خطيرة على الاقتصاد الوطني والمجتمع

5 دقيقة للقراءة

الوحدة – تمام ضاهر

أكد خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود أن المخدرات ليست مجرد مشكلة صحية أو أخلاقية فردية، بل هي تهديد اقتصادي واجتماعي شامل يضرب صميم استقرار الدول والمجتمعات، مشيراً إلى أن الأرقام والإحصاءات العالمية تكشف عن حجم كارثي لهذه الآفة، حيث تستنزف المخدرات موارد الدول، وتفكك النسيج الاجتماعي، وتقوض مقومات التنمية المستدامة.

وأوضح عبود في تصريح خاص لـ “الوحدة” أنه في المتوسط، يكلّف الإدمان بكافة أشكاله (التبغ والكحول والمقامرة والمخدرات) نحو 78 مليار دولار سنوياً لكل دولة تعاني من هذه الآفات، وأن هذه التكلفة السنوية تتوزع بين التبغ حوالي 24 مليار دولار، والكحول قرابة 9 مليارات دولار، والمخدرات نحو 5 مليارات دولار، والمقامرة حوالي 40 مليار دولار، لافتاً إلى أن هذه الأرقام لا تشمل فقط الإنفاق المباشر على المواد المخدرة، بل تمتد لتشمل الأعباء غير المباشرة مثل تكاليف الرعاية الصحية، وفقدان الإنتاجية، والحوادث، والجريمة، وهي عوامل تلقي بثقلها على الاقتصاد الوطني سنوياً.

وأشار إلى أن تقديرات منظمة الصحة العالمية تؤكد أن تعاطي المخدرات يكلف بعض الدول ما يصل إلى 2% من ناتجها المحلي الإجمالي نتيجة النفقات الصحية المرتبطة به والجريمة وفقدان الإنتاجية، لافتاً إلى أن فقدان الإنتاجية يشكل أحد أخطر التداعيات الاقتصادية للمخدرات، فالمتعاطي يصبح أقل كفاءة في عمله، ويكثر تسربه من عمله، وقد يفقده تماماً ما يؤدي إلى تراجع مساهمة القوى العاملة في الاقتصاد الوطني.

واعتبر د. عبود أنه في المتوسط، تبلغ تكلفة تعاطي مواد مخدرة مثل الميثامفيتامين والأفيون أكثر من  أجر يوم كامل من العمل، حيث يمكن أن تصل تكلفة يوم واحد من تعاطي الميثامفيتامين إلى 138% من دخل العامل غير الماهر، و67% من أجر العامل الماهر، وأن الباحثين يربطون بين تعاطي المخدرات والفقر والبطالة والضائقة المالية في علاقة طردية تزيد من حدة المشكلة.

ورأى أن الأمراض الناجمة عن تعاطي المخدرات تشكل عبئاً ثقيلاً على النظم الصحية، وأنه في المتوسط تقدّر تكاليف العلاج المرتبطة بالأمراض الناجمة عن التدخين بنحو 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي،  وأنه على الصعيد العالمي، يكشف تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لعام 2025 أن الفشل في معالجة اضطرابات تعاطي المخدرات يكلف ما يقرب من نصف مليون حالة وفاة سنوياً، فضلاً عن خسارة 28 مليون سنة من الحياة الصحية بسبب الإعاقة والوفيات المبكرة في عام 2021، موضحاً أنه رغم هذه الأرقام المروعة، تشير التقديرات إلى أن واحداً فقط من كل 12 شخصاً يعاني من اضطرابات تعاطي المخدرات وعدم تلقي أي شكل من أشكال العلاج في عام 2023.

من جانب آخر، أشار عبود إلى أن آثار المخدرات تتجاوز الجانب الاقتصادي لتطال نسيج المجتمع بأكمله، فالإدمان يسهم في اضطرابات اجتماعية واسعة النطاق تبدأ من انهيار الروابط الأسرية، مروراً بتراجع الإنتاجية، وصولاً إلى ارتفاع معدلات الجريمة والعنف، وهو ما يهدد بشكل مباشر الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويعرقل خطط التنمية في البلاد.

وكشف عبود  أن الإتجار غير المشروع بالمخدرات يسهم في تمكين الجماعات الإجرامية المنظمة، حيث تدر تجارة المخدرات غير المشروعة مئات المليارات من الدولارات سنوياً، مشيراً إلى أن التقارير تكشف أن عصابات الجريمة المنظمة تواصل التكيف، واستغلال الأزمات العالمية واستهداف الفئات السكانية الضعيفة مما يجعل مكافحة هذه الظاهرة ضرورة أمنية واقتصادية واجتماعية في آن واحد.

وأضاف عبود أنه رغم التكلفة الباهظة للمخدرات إلا أن هناك أمل في معالجة هذه الظاهرة، حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن كل دولار يُستثمر في علاج اضطرابات تعاطي المخدرات يعود بعائد يتراوح بين 4 و12 دولاراً، وأن هذا يؤكد أن الاستثمار في برامج الوقاية والعلاج ليس مجرد إنفاق، بل هو استثمار اقتصادي واجتماعي يحقق عوائد ملموسة على المدى الطويل.

واختتم د. عبود تصريحه بالتأكيد على أن المخدرات تشكل تهديداً وجودياً للاقتصاد الوطني والمجتمع، وتتجلى أبعاده في تكاليف صحية باهظة، وفقدان للإنتاجية، وانهيار للنسيج الاجتماعي، وارتفاع لمعدلات الجريمة، مشيراً إلى أن الأرقام الصادمة التي تكشف عن خسائر تبلغ مليارات الدولارات سنوياً، وانتشار التعاطي بين مئات الملايين حول العالم، تدق ناقوس الخطر وتستدعي تحركاً عاجلاً وشاملاً يشمل تعزيز برامج الوقاية، وتوسيع نطاق العلاج، وتشديد العقوبات على عصابات الإتجار مع معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية للظاهرة، مضيفاً أن المسألة لم تعد خياراً، بل ضرورة ملحة لحماية مستقبل الأجيال القادمة، وضمان تنمية مستدامة وشاملة.

إرسال تصحيح لـ: المخدرات آفة خطيرة على الاقتصاد الوطني والمجتمع

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *