الوحدة – هدى سلوم
على رقيمٍ من طينٍ دافئ، لم تجف عليه بعد أنفاس البحر القادمة من سواحل أوغاريت، نقشت يد كاتبٍ عتيق هذه الحكمة الخالدة: «لا تخرج نسمةٌ من فمي بدون ذكرٍ إلهي».
ويشير الدكتور غسان القيم إلى هذه الحكمة قائلاً: كأنها ليست كلمات تُقرأ، بل ترنيمة فجر ترتفع مع أول خيط من نور الشمس حين يلامس أبراج المدينة ومعابدها وأشجار الزيتون الممتدة على سفوح التلال.
ويضيف أن الأوغاريتي القديم كان يدرك أن النفس هبة سماوية، وأن كل نسمة تدخل الصدر هي عهد جديد بين الإنسان والسماء. لذلك لم يكن يرى الكلام مجرد أصوات تتناثر في الريح، بل بذوراً تُزرع في حقول الزمن؛ فإن خرجت معطرة بذكر الخالق أثمرت سلاماً ومحبة وحكمة، وإن خرجت عارية من النور تاهت في صحارى الضجيج والنسيان.
وفي ليالي أوغاريت الهادئة، حين كان هدير الموج يمتزج بأصوات المزامير المقدسة، كان الحكماء يرددون أن اللسان سفينة الروح، وأن الذكر هو الريح الطيبة التي تقودها إلى مرافئ النجاة. فالكلمة التي تبدأ باسم الله لا تضل طريقها، ولا تنكسر أجنحتها في عواصف الأيام.
وهكذا أصبحت الأنفاس عندهم صلاة خفية، شهيق يحمل الشكر، وزفير يحمل التسبيح، حتى بدا الإنسان وكأنه معبد متحرك لا تنطفئ فيه شعلة القداسة ما دام قلبه نابضاً ولسانه عامراً بالذكر.
ويوجه القيم رسالة إلى إنسان هذا العصر قائلاً: تذكّر حكمة الأجداد المنقوشة على ألواح الطين، فليست العبرة بعدد الكلمات التي نقولها، بل بالنور الذي تحمله. واجعل من كل نسمة تغادر صدرك قنديلاً صغيراً يضيء دروب الآخرين، فما أجمل الفم حين يصبح باباً للحكمة، وما أطهر النفس حين لا يخرج منها إلا ما يرضي السماء ويبارك الأرض.
تلك هي الترتيلة التي حملها البحر من مرافئ أوغاريت القديمة، وما زال صداها يتردد عبر القرون: «لتكن الأنفاس ذكراً، ولتكن الكلمات نوراً، ولتبقَ الروح معلقة بخيط من القداسة لا ينقطع».


