الوحدة ـ سهى درويش ـ سنان سوادي
يشكل التراث المادي في محافظة اللاذقية ركيزة أساسية لهويتها الثقافية والتاريخية، بدءاً من أوغاريت وظهور أول أبجدية في العالم، مروراً بالعصور الرومانية والإسلامية، وصولاً إلى شواهدها المعمارية التقليدية. هذا الإرث الغني يؤكد عمقنا الحضاري، ويدعم السياحة، والبحث العلمي، ويمنح المجتمع إحساساً عميقاً بالانتماء والفخر بإرثه الحضاري.
فماذا عن هذا التراث الغني؟
وما أبرز معالمه المادية؟
هذه الأسئلة وغيرها كانت محور لقائنا مع عالم الآثار الدكتور بسام جاموس والذي أشار “للوحدة” إلى أن سورية تتميز بغناها الحضاري وتنوع ثقافاتها كالزراعة والأبجدية والموسيقا وعلوم الفلك والفلسفة والملاحم والأدب والفنون على مر العصور، ما أكسبها أهمية استثنائية في الساحة العالمية وصنفت من أوائل دول العالم بعدد مواقعها الأثرية والبالغة أكثر من عشرة آلاف موقع، إضافة لتراثها الثقافي. يعرف د.جاموس التراث المادي بأنه الإرث الثقافي الذي خلفه الآباء والأجداد، وهو إرث الحضارات وهوية الشعوب، ويتضمن المواقع الأثرية والمدن القديمة، والمسارح والأوابد والنقوش والكتابات والمقتنيات التراثية، وأشهر المواقع الأثرية الممالك مثل (ماري، إيبلا، أوغاريت، قطنا، عمريت، موزان (أوركيش)، نابادا، دورا، سيانو)، ماجعلها مهد الحضارات.
متحف للتاريخ
وأضاف د. جاموس بأن من أبرز مكونات التراث المادي في اللاذقية أوغاريت – رأس ابن هاني – سيانو – رأس البسيط (بوزيدون)، الأديرة كدير الفارس – والكنائس والمساجد، والزوايا والأسواق، إضافة للقلاع كقلعة صلاح الدين التي تم تسجيلها على قائمة التراث العالمي عام 2006 ، قلعة المهالبة – قلعة الشيخ حسن( البسيط)، مسرح جبلة. منوهاً بأن هناك مواقع تحتاج إلى إعادة تأهيل وإدارة موقع ومنها يعود إلى مليون عام خلت مثل: قرية ستمرخو التي عثر فيها على فؤوس حجرية تعود لمليون عام هي الأقدم من نوعها في العالم خارج القارة الإفريقية، وقرى مشيرفة الساموك – بكسا – روضو – الخلالة ـ الشير ـ والجريمقية، التي سكنها أيضاً الإنسان الأول.
واقع التراث السوري
ولفت د.جاموس إلى أن الآثار السورية تعاني تهديداً لإرثها الحضاري منذ عشرات السنين، إلا أن جهود المديرية العامة للآثار والمتاحف داخلياً وخارجياً ساهمت في حمايتها وصيانتها، إضافة للمجتمع المحلي، مؤكداً بأن حماية التراث وحفظه وتوثيقه يتطلب وضع استراتيجيات دقيقة للنهوض بالواقع الأثري السوري بعد تحديد الأوليات ذات القيمة الاستثنائية، والاستفادة من خبرات المتقاعدين الذين لهم بصمات محلية وعربية وعالمية.
التراث هوية أمة
وحول الخصوصية التي يمنحها التراث المادي للهوية، أوضح د.جاموس بأن التراث يمثل هوية الأمة وجذرها، وذاكرتها، وترتبط هذه الخصوصية بإبداعات الآباء والأجداد عبر العصور، فكل موقع ومملكة أعطى هوية سورية ثقافية، يدل على الترابط الوثيق بين التراث والهوية.
وحدة حضارية
وأشار د.جاموس إلى وجود تنوع حضاري ثقافي، فني بأنواعه، واجتماعي، وذلك بسبب اختلاف البيئة المناخية والاجتماعية.
فعلى الصعيد المعماري نرى اختلافاً بين المواقع والمدن القديمة الساحلية المبنية من الحجر القطع عن المناطق الوسطى والشمالية والشرقية، وخاصة مملكة ماري، فهي نموذج للعمارة الطينية، كما انعكس ذلك على نوعية وطرق التقنيات للمعطيات الأثرية فأعطى لكل منطقة هوية فنية وثقافية لكن بوحدة حضارية سورية، وحذر من وجود أخطار تهدد المواقع والمدن القديمة، منها العمارة الحديثة القريبة، والتي تلوث المشهد البصري وتقف عائقاً في التسجيل على قائمة التراث العالمي وحتى الآن لم تسجل مملكة أوغاريت الشهيرة بسبب المخالفات العشوائية. ومعالجتها يتطلب تضافر الجهود والتعاون المؤسساتي، وإشراك المجتمع المحلي في حماية التراث السوري، وإطلاق حملات توعية وخاصة أثناء الاحتفالات في يوم التراث العالمي، يوم المتاحف، إقامة المعارض، الدعاية والنشر، مشدداً على أهمية تسجيل المواقع والمدن التاريخية والأثرية ذات القيمة الاستثنائية على قائمة التراث العالمي، لما لها من أهداف ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياحية، والأهم هو الرابطة التي تجمع بين الشعوب.
المواقع المسجلة عالمياً
وبيّن د.جاموس بأن لدينا مواقع ومدن وأوابد مسجلة على قائمة التراث العالمي وهي: دمشق، حلب، بصرى، تدمر، وتم تسجيل قلعتي صلاح الدين والحصن عام 2006، وتسجيل المدن المنسية (المتألقة في الذاكرة) عام 2011. موضحاً أن هناك معايير للتسجيل منها: جغرافية المكان، الأهمية والقيمة الاستثنائية، الأصالة والسلامة.
استثمار التراث المادي سياحياً
وأكد د.جاموس على دور السياحة في التعريف بالتراث الثقافي وإبراز أهميته كونه ذاكرة وطنية وإنسانية، ويلعب دوراً هاماً في عملية الاقتصاد الوطني، وهذا يتطلب تفعيل الاستراتيجيات وتطويرها، وتطوير البرامج التسويقية داخلياً وخارجياً، والتركيز على دور المؤسسات الثقافية والسياحية والإعلامية في مسألة التطوير والتنشيط السياحي، إضافة إلى التركيز على السياحة المستدامة بأنواعها الثقافية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية.
والأهم تأمين البنى التحتية، وعوامل الجذب السياحي للمواقع والمدن التاريخية.
الحرف التراثية
ولفت د.جاموس إلى ضرورة الاهتمام بالحرف التراثية والتقليدية المهددة بالاندثار، لما تمثله من قيمة حضارية وهوية متجذرة في المجتمع السوري ونذكر منها: دولاب صناعة الأواني الفخارية، ونول النسيـج، وصناعة المراكب، وصناعة الزجاج، ودودة القز وصناعة الحرير.




