الوحدة – بثينة منى
تأتي المراسيم التشريعية أحياناً لتعبر عن أكثر من مجرد قرارات إدارية أو إجراءات مالية، فهي في جوهرها انعكاس لمنظومة القيم التي تتبناها الدولة تجاه أبنائها، ومن هذا المنطلق يبرز المرسوم رقم 135 لعام 2026 الذي أصدره السيد الرئيس أحمد الشرع كرسالة وفاء عميقة، وترجمة عملية لمسار حكومي يضع كرامة المتقاعد والأمان المعيشي في صلب أولويات الحماية الاجتماعية.
إن منح زيادة بنسبة 30 بالمئة على المعاشات التقاعدية، مع ضمان ألا يقل المعاش عن الحد الأدنى العام للأجور (12,560 ليرة سورية جديدة)، هو اعتراف صريح بأن الفئات التي أنهت خدمتها الوظيفية لا تزال جزءاً أصيلاً وحيوياً من نسيج الدولة، هؤلاء المتقاعدون هم “ذاكرة المؤسسات” الذين وضعوا اللبنات الأولى في بناء صروحنا الوطنية، وبذلوا سنوات عمرهم في الخدمة العامة، ومن حقهم اليوم أن يلمسوا رعاية تراعي استقرار أسرهم وتعينهم على مواجهة تكاليف الحياة بكرامة وإنصاف.
لقد جاء المرسوم شاملاً ومنصفاً في تفاصيله، فلم يقتصر على فئة دون أخرى، بل امتد ليشمل أصحاب معاشات العجز الطبيعي والإصابة، والمستحقين من الورثة، والمدنيين من أصحاب العجز الجزئي غير الملتحقين بعمل، هذا الشمول يعكس رؤية إنسانية متكاملة، تبتعد عن لغة الأرقام الجافة لتلامس احتياجات فئات ذات حساسية خاصة في المجتمع، محققةً توازناً دقيقاً بين الإمكانيات المالية المتاحة وبين مقتضيات المصلحة الوطنية العليا.
إن أهمية هذا القرار تكمن أيضاً في كونه جزءاً من سياق أوسع لإصلاح منظومة الأجور والمعاشات، فهو يرسل رسالة طمأنة مزدوجة، الأولى للمتقاعدين بأن دولتهم تقدر مسيرتهم المهنية وتعمل على تحسين أوضاعهم تدريجياً، والثانية للعاملين على رأس عملهم بأن سنوات خدمتهم ستظل محفوظة القيمة والاعتبار مستقبلاً، هذا التكامل بين حقوق العامل والمتقاعد هو ما يعزز الثقة بالوظيفة العامة ويمنحها رمزيتها ومكانتها.
فالمتقاعد ليس مجرد رقم في سجلات التأمينات، بل هو صاحب تجربة وخبرة وتاريخ. وتحسين معاشه هو استثمار في الاستقرار المجتمعي، وتأكيد على أن مسار الإصلاح يسير بخطى مدروسة تشمل الجميع ولا تستثني أحداً، خاصة أولئك الذين قدموا للوطن أغلى ما يملكون.
ختاماً، إن المرسوم 135 ليس مجرد زيادة، بل هو خطوة رائدة في طريق طويل لتعزيز الأمان المعيشي، وشهادة تقدير رسمية لكل من خدم الدولة بصدق، فكرامة المتقاعد هي من كرامة الوطن، والوفاء له هو الضمانة الحقيقية لاستدامة العطاء في مؤسساتنا الوطنية.


