الوحدة – تمام ضاهر
أكد خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود أن المرسوم رقم /120/ لعام 2026، الذي أصدره السيد الرئيس أحمد الشرع والقاضي بمنح مكافأة قدرها 9 آلاف ليرة سورية جديدة عن كل طن من القمح المُسلَّم، يمثل استراتيجية وطنية متكاملة، وليس مجرد حافز موسمي لتسليم المحصول.
وأوضح عبود، في تصريح خاص لـ«الوحدة»، أن هذا المرسوم يشكل علامة فارقة في السياسة الزراعية السورية، لافتاً إلى أنه لا يعد تكراراً لتجربة العام الماضي، بل يمثل نقلة نوعية من منطق الطوارئ إلى منطق التخطيط الاستراتيجي الممنهج.
وأشار إلى أن تحويل الحافز إلى العملة المحلية، وربطه بتطوير البنية التحتية، وإطلاق منصات إلكترونية، إلى جانب دعم الفلاحين بقروض ميسرة، يعكس ملامح نموذج جديد ترسمه الدولة السورية لإدارة أمنها الغذائي، قائم على تحفيز الإنتاج المحلي كخيار سيادي، بدلاً من الاعتماد على الاستيراد كحل مؤقت.
ورأى عبود أن تحسن الظروف المناخية، وعودة الاستقرار إلى المناطق الزراعية، وتضافر جهود المؤسسات الرسمية، تجعل سوريا اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، مؤكداً أن موسم 2026 لا يمثل مجرد حصاد وفير، بل إعلاناً واضحاً عن عودة القطاع الزراعي ليكون العمود الفقري للاقتصاد الوطني، وأن المزارع السوري شريك أساسي في بناء المستقبل.
وبيّن أن هذا المرسوم يأتي في سياق التعافي من أسوأ موجة جفاف شهدتها سوريا منذ ستة عقود، مع بروز مؤشرات واضحة على تعافي القطاع الزراعي وتطور السياسات الحكومية نحو تحقيق الأمن الغذائي المستدام.
وكشف أن المساحة المزروعة بالقمح بلغت نحو 1.2 مليون هكتار من أصل 1.4 مليون هكتار مخطط لها، بنسبة إنجاز وصلت إلى 86 بالمئة، فيما سجلت الزراعة البعلية، التي كانت الأكثر تضرراً العام الماضي، نسبة إنجاز بلغت 92 بالمئة، أي ما يعادل 763 ألف هكتار، مدفوعة بتحسن الهطولات المطرية.
وأضاف أن التقديرات الأولية الصادرة عن وزارة الزراعة تشير إلى أن إنتاج القمح المتوقع يتراوح بين 2.3 و2.5 مليون طن، في حال استمرار الظروف الجوية الملائمة، لافتاً إلى أن محافظة الحسكة، المعروفة بـ«سلة خبز سوريا»، يُتوقع أن يتجاوز إنتاجها وحدها مليون طن خلال الموسم الحالي.
وفي معرض حديثه عن الأبعاد الاقتصادية للمرسوم، أوضح عبود أن أبرز تحول يتمثل بالانتقال من حافز الـ130 دولاراً إلى حافز الـ9 آلاف ليرة سورية جديدة، معتبراً أن هذه الخطوة تحمل دلالات اقتصادية استراتيجية، أبرزها توجيه الدعم بالعملة المحلية بما يعزز قدرة الدولة على ضبط الكتلة النقدية المتداولة، والحد من الطلب على الدولار، فضلاً عن تعزيز الشفافية المالية وتسهيل عمليات الصرف والمحاسبة ضمن النظام المصرفي المحلي.
وأشار إلى أن قرار وزارة الاقتصاد والصناعة بحظر استيراد القمح طوال موسم الحصاد يشكل إجراءً وقائياً يهدف إلى حماية الفلاح المحلي وضمان استيعاب الإنتاج الوطني بالكامل.
ولفت إلى أهمية البعد الإنتاجي واللوجستي، موضحاً أن الحوافز المالية وحدها لا تكفي من دون قدرة حقيقية على الاستلام والتخزين، مشيراً إلى أن البنية التحتية شهدت تحسناً ملحوظاً مقارنة بالعام الماضي، مع إعادة تأهيل عدد من الصوامع ومراكز التخزين، رغم استمرار الحاجة إلى تأهيل مواقع إضافية استعداداً للمواسم المقبلة.
وأكد أن خطة عام 2026 لا تقتصر على تقديم الحوافز، بل تشمل تحسين سلسلة القيمة الزراعية بالكامل، من الحقل وحتى الصومعة.
وختم عبود تصريحه بالتأكيد على أن المرسوم يرسم خارطة طريق واضحة نحو الاكتفاء الذاتي، مشيراً إلى أن حاجة البلاد السنوية من القمح تُقدّر بنحو 2.5 مليون طن، وهو ما يعني أن بلوغ الإنتاج المستهدف سيغطي الاستهلاك المحلي بشكل شبه كامل.
وأضاف أن هذا الهدف ليس جديداً على سوريا، التي كانت قبل عام 2011 تنتج أكثر من 4 ملايين طن سنوياً، وسجلت رقمها القياسي عام 2006 بإنتاج بلغ 4.9 ملايين طن، مؤكداً أن العودة إلى تلك المستويات تتطلب سنوات من العمل، إلا أن المرسوم الجمهوري رقم /120/ لعام 2026 وضع الأسس اللازمة لانطلاق مرحلة التعافي الزراعي الطويل.


