الوحدة – حسان كنجو
منذ انطلاق عملية ردع العدوان، كان الشعار الرئيسي لها هو نبذ الطائفية والابتعاد عن أي سياسة انتقامية، إلا أن فلول النظام البائد أصرت على جر البلاد لأحداث دامية، معتمدة على وتر الطائفية الذي لعب عليه النظام البائد لـ 14 عاماً، حيث باتت جميع المكونات والطوائف في المجتمع السوري تنظر لبعضها كألغام موقوتة، سيما وأن المعضلة الحقيقية لم تكن يوماً في وجود التنوع بحد ذاته، بل في تلك اللحظة التي قررت كل طائفة في النسيج السوري تحويل الانتماء الروحي خاصتها إلى “خندق” يحميها من الآخر بدلاً من أن يكون “فضاءً” تعتني به.
ومن هنا يبرز دور السلم الأهلي الذي نحتاجه اليوم ليس كـ “هدنة مؤقتة” أو غياب لصوت المدافع، بل هو تفاعل حيوي ندرك فيه وبوعي حقيقي، أن مصيرنا مرتبط ببعضه عضوياً، فإما أن ننجو معاً أو نغرق فرادى.
أثر المبادرات في السلم الأهلي
اللجوء إلى لغة العقل بعيد الأحداث التي مرت في سوريا إبان التحرير، والتي تجسدت بمبادرات جرى تنظيمها من قبل الطوائف، كانت مثالاً حياً على أن النسبة الأكبر من الشعب بكافة مكوناته يريد السلام وتحكيم العقل، ويفضله على لغة الحرب والدماء.
لقد عُدت مبادرة “ابن البلد” التي تم إطلاقها في جبلة واللاذقية من أبرز المبادرات الشعبية التي انطلقت في الساحل السوري، والتي هدفت لكسر حاجز الخوف الذي نشأ بين الطوائف ومواجهة خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال ورشات عمل مشتركة من مهنيين (نجارين، بنائين) من مختلف الطوائف لإصلاح المنازل المتضررة من الأحداث وتوزيع مساعدات مالية وعينية في أحياء متنوعة طائفياً تحت شعار واحد “ابن البلد”.
كما أن اللقاءات التي أجرتها اللجنة العليا للسلم الأهلي، والتي تم تشكيلها للنزول ميدانياً إلى الساحل، والتقت خلالها مع وجهاء وأعيان من الطائفة العلوية في ريف اللاذقية وطرطوس للاستماع لمخاوفهم ومطالبهم، ركزت على ضرورة “المصالحة المجتمعية” كبديل عن “الهدن المؤقتة”، مع التأكيد على محاسبة مرتكبي الانتهاكات من جميع الأطراف لضمان العدالة الانتقالية.
أيضاً جاءت مبادرة “الاستجابة الإنسانية العابرة للطوائف” والتي قامت بها جمعيات محلية مثل جمعية رايا في اللاذقية بتنظيم فعاليات إغاثية لكافة الأطياف من توزيع الأدوية والألبسة على العائلات المتضررة في القرى والبلدات التي شهدت توترات، وتوزيع الورود كرسالة سلام مجتمعي، أكدت على أن الاحتياجات الإنسانية توحد السوريين، وأن التكافل هو السبيل الوحيد لتجاوز آثار المرحلة الانتقالية الصعبة.
المسيحيون.. مواطنة لا محاصصة
لطالما كان المسيحيون أكثر الطوائف ميلاً للسلم في سوريا، فرغم تعدد المذاهب المشكّلة للمسيحيين، إلا أن ما جمعهم جميعاً كان مفهوم المواطنة، سيما في ظل رفض القوى السياسية والكنسية المسيحية (مثل المجلس الوطني المشرقي) الطروحات التي تدعو إلى “حماية الأقليات” بصيغتها القديمة، واستبدلتها بمبدأ المواطنة الكاملة والمتساوية.
لقد ساهم هذا الموقف في تكريس مفهوم أن أمن المسيحيين جزء لا يتجزأ من أمن السوريين جميعاً، وهو ما ساعد على نزع فتيل التوجس الطائفي لدى المكونات الأخرى، لقد ساعد هذا الخطاب في تخفيف حدة الخطاب “الاقلوي” الذي كان يُستخدم كأداة سياسية، وتحويله إلى خطاب وطني جامع، خاصة في ظل عمليات التحريض الطائفي التي قادها ويقودها أزلام النظام البائد وأتباعهم على الأرض.
ما حدث ليلة رأس السنة الميلادية 1/1/2026 في حلب، أكبر مثال حي على تفضيل سوريا عن الطائفة أو القومية، عنصر أمن سوري يردع انتحارياً كان في طريقه لتفجير كنيسة، وفي اليوم التالي يخرج وفد يضم رهبان وقساوسة المسيحيين في حلب لتقديم واجب العزاء وتقديم الدعم لذوي العنصر في ريف المدينة.
سلمية: مثال المدينة الفاضلة
تعد مدينة سلمية بريف حماة خير مثال على التلاحم والتعايش المشترك وتطبيق السلم الأهلي، فالمدينة التي تضم سكاناً من جميع الطوائف والقوميات تقريباً، نأت بنفسها عن فتنة الطائفة على مدار 14 عاماً، وفضلت الحفاظ على أمن سكانها خلال تقدم قوات ردع العدوان.
كما أن الفعاليات التي نظمها أعيان ووجهاء المدينة بعد التحرير، وبعيد الأحداث التي شهدتها البلاد في الساحل والسويداء، ساهمت في امتصاص الغضب الشعبي وترميم جسور الترابط بين الطوائف على الأقل في الريف الحموي.


