الوحدة – نسيم صبح
مع بداية فصل الصيف، تتحول شواطئ مدينة جبلة إلى وجهة مفضّلة للعائلات والسوّاح، لكنها تشهد في الوقت نفسه انتشاراً متزايداً لكائنات بحرية تشكّل خطراً حقيقياً على روّاد البحر، وعلى رأسها قناديل البحر وأسماك البالون السامّة، إضافة إلى سمك الشاهين الذي يحمل أشواكاً سامة رغم أنه صالح للأكل.
وخلال جولة ميدانية على شاطئ جبلة، رُصد وجود أعداد كبيرة من قناديل البحر، مع إصابة بعض الأطفال بحروق نتيجة الاحتكاك بخيوطها اللاسعة أثناء السباحة، ما يستدعي توفير فرق إسعاف أولي في الشواطئ للتعامل مع مثل هذه الحالات.
أفاد الصياد أحمد علي بوجود انتشار ملحوظ لقناديل البحر على شاطئ جبلة منذ فترة، محذراً من خطورتها البالغة، إذ تسبّب ملامستها التهابات شديدة في الجلد، خصوصاً لدى الأطفال، موضحاً أن الخطر يزداد حين تلتصق خيوطها اللاسعة بالجسم أثناء السباحة، داعياً إلى ضرورة مكافحتها وتوعية الصغار والكبار بسبل تجنّبها.
وأشار علي إلى انتشار كثيف لأسماك البالون في المياه الساحلية، بتنوع في أحجامها وسرعة في تكاثرها، مؤكداً أنها تفتك ببذور الأسماك الصغيرة وتؤثر سلباً في المخزون السمكي، مضيفاً أن خطورتها لا تقتصر على البيئة البحرية، بل تمتد إلى الإنسان والصيادين على حدّ سواء، إذ إنّها تُخرب شباك الصيد بأسنانها القوية، كما أن تناولها يسبّب تنميلاً في الأطراف رغم قيام بعض الصيادين بتنظيفها وأكلها بحذر شديد.
وحول انتشار قناديل البحر وأسماك البالون والشاهين أوضح الأستاذ حمود غراء مدير تنمية الأحياء المائية في الهيئة العامة للأسماك بجبلة، أن شواطئ المدينة والساحل السوري تشهد في السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في ظهور هذه الكائنات البحرية وعلى رأسها قناديل البحر وأسماك البالون (المنفاخ) وبعض الأنواع السمكية المفترسة المعروفة محلياً باسم “الشاهين”، ويعزى هذا الانتشار إلى مجموعة من العوامل البيئية والمناخية التي أثرت في التوازن البيئي البحري وأدت إلى تغير انماط توزيع الكائنات البحرية وهجرتها.
وعن خطورة أسماك البالون (المنفاخ) على الصحة العامة، شدّد غراء على أنها من أخطر الأنواع البحرية السامة في البحر المتوسط، إذ تحتوي على سمّ عصبي شديد السمية يُعرف باسم “تترادوتوكسين”، يتركز في الكبد والأحشاء والمبايض والجلد، موضحاً أن تناول هذه الأسماك يؤدّي إلى أعراض خطيرة، منها: تنميل وخدر في الأطراف والفم، غثيان وقيء وآلام في البطن، اضطرابات في الجهاز العصبي، وشلل عضلات التنفس في الحالات الشديدة، والوفاة في حال عدم تلقّي العلاج الإسعافي المناسب.
وأكد غراء ضرورة منع استهلاك هذه الأسماك أو تداولها في الأسواق حفاظاً على السلامة العامة، وحول التأثيرات البيئية والاقتصادية لها لفت غراء إلى التأثير على التنوع البحري من خلال منافسة الأنواع المحلية على الغذاء والموائل، افتراس يرقات وصغار الأسماك، ما يهدّد المخزون السمكي، إحداث خلل في التوازن البيئي البحري نتيجة زيادة أعداد الأنواع الدخيلة، التأثير المباشر في السلاسل الغذائية الطبيعية، وأيضاً التأثيرات الاقتصادية مثل إتلاف شباك الصيد بسبب الأسنان القوية لأسماك البالون، انخفاض القيمة الاقتصادية للمصيد وزيادة خسائر الصيادين، تراجع النشاط السياحي والبحري خلال فترات الانتشار الكثيف لقناديل البحر، وارتفاع تكاليف المراقبة والرصد والتوعية البيئية.
وفيما يخص الأسباب الجذرية للظاهرة بين حمود، تعود هذه الظاهرة إلى مجموعة من الأسباب والعوامل المتداخلة، أبرزها:
التغيرات المناخية وارتفاع درجات حرارة مياه البحر، وانتقال بعض الأنواع البحرية الوافدة من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، وأيضٱ تراجع أعداد المفترسات الطبيعية نتيجة الضغوط على المخزون السمكي، إضافة إلى التلوث البحري وتغير خصائص البيئة الساحلية، والتغيرات الموسمية في التيارات البحرية والظروف المناخية، واختلال التوازن البيئي الناتج عن الأنشطة البشرية المختلفة.
ودعا غراء إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات العاجلة والطويلة الأمد، تشمل: تنفيذ برامج رصد ومراقبة دورية للكائنات البحرية على الساحل، إنشاء قاعدة بيانات متخصصة لتوثيق الأنواع الوافدة ومتابعة انتشارها، وتعزيز التعاون بين الهيئة العامة للأسماك والجامعات ومراكز الأبحاث البحرية، إطلاق حملات توعية للصيادين والمواطنين حول مخاطر أسماك البالون وطرق التعرّف عليها، وتشديد الرقابة على أسواق الأسماك لمنع تداول الأنواع السامة، إجراء دراسات علمية دورية لتقييم تأثير التغيّرات المناخية في البيئة البحرية، وتطوير نظام إنذار مبكر للإبلاغ عن حالات الانتشار الكثيف، تشجيع الصيادين على الإبلاغ عن المشاهدات الجديدة للمساهمة في عمليات الرصد والمتابعة.
يمثّل انتشار قناديل البحر وأسماك البالون وبعض الأنواع البحرية الأخرى على شواطئ جبلة تحدياً بيئياً واقتصادياً وصحياً متكاملاً، يستدعي متابعة مستمرة وتعاوناً وثيقاً بين الجهات المختصة والباحثين والصيادين، ويبقى تعزيز برامج الرصد والتوعية والبحث العلمي الركيزة الأساسية لفهم هذه الظواهر والتعامل معها، بما يضمن حماية البيئة البحرية والثروة السمكية وصحة المواطنين.


