الوحدة – هدى سلوم
يخرج أطفال كثر من رحم هذه الأيام القاسية بصمتٍ ثقيل، إلى حياةٍ مكتظة بضجيج الناس وزيف الألوان، لكن بلا طفولة حقيقية. ومن بينهم أبو العز، طفل لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، يقضي أيامه ماسحاً للأحذية وملمعاً لها، مستنداً إلى صندوقه الخشبي الصغير الذي حمله منذ سنوات، وكأنه حمل معه أعباء عمرٍ كامل.
أي عز يحمله هذا الطفل، وهو الذي أُجبر على ترك مقاعد الدراسة ليؤمّن لقمة العيش لأمّه المقعدة على فراش المرض، بعد أن هجر والده المنزل إثر زواجه من أخرى؟
قصص كثيرة كهذه تمر أمام الأعين يومياً، لكنها قلما تجد من يصغي إليها في مجتمعٍ أنهكته الأوجاع. وبينما تتفاقم الظاهرة، تتزايد الحاجة إلى حلول حقيقية تكفل حماية الأطفال من الاستغلال وتعيد إليهم حقهم الطبيعي في التعليم والحياة الكريمة.
وفي هذا السياق، تؤكد المعالجة النفسية مها العلي ضرورة توسيع الحماية التشريعية للأطفال العاملين، بحيث تشمل مختلف القطاعات التي تنتشر فيها عمالة الأطفال، سواء في الريف أو في الخدمة المنزلية أو حتى لدى ذويهم، كمرحلة انتقالية تؤمّن الحماية اللازمة ريثما يتم الوصول إلى الهدف الاستراتيجي المتمثل بالقضاء على الظاهرة بشكل كامل.
وتشير إلى أهمية إيجاد آليات فعالة لرصد الظاهرة وتحديد حجمها الحقيقي، وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني كشريك أساسي في الرقابة على المؤسسات التي يعمل فيها الأطفال، إضافة إلى ضرورة الاستماع إلى الأطفال العاملين أنفسهم وإشراكهم في وضع الخطط الكفيلة بالحد من هذه المشكلة.
كما تشدد على رفع وعي المجتمع بمخاطر عمالة الأطفال وانعكاساتها السلبية على النمو الجسدي والنفسي والعقلي للطفل، مع إقرار حق الطفل العامل في التمتع بكامل حقوقه، إلى جانب تطوير العملية التعليمية للحد من التسرب المدرسي، الذي يعد أحد أبرز أسباب تفاقم الظاهرة، والتوسع في التعليم المهني وربطه بسوق العمل.
وتكشف دراسة متخصصة صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن مشكلة عمالة الأطفال تختلف من دولة إلى أخرى وفق مستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي، لكنها تبدو أكثر عمقاً في الدول النامية نتيجة صعوبة الظروف الاقتصادية واتساع دائرة الفقر.
وتوضح الدراسة أن هذه الظاهرة تخلف آثارًا سلبية واسعة على المجتمع، الأمر الذي دفع المجتمع الدولي إلى تجريم الاستغلال الاقتصادي للأطفال عبر اتفاقيات دولية عدة، أبرزها اتفاقية حقوق الطفل، التي نصت على حق الطفل في الحماية من أي عمل يضر بصحته أو نموه الجسدي والعقلي والروحي والاجتماعي، أو يعيق تعليمه.
كما خصصت منظمة العمل الدولية 17 اتفاقية لمعالجة قضايا عمل الأطفال، تأكيداً على أن هذه الظاهرة تتنافى مع العدالة الاجتماعية، وتسهم في زيادة معدلات البطالة، فضلاً عن كونها انعكاساً مباشراً للفقر والظروف الأسرية القاسية.
ومنذ تسعينيات القرن الماضي، ومع تسارع وتيرة العولمة واتساع الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة، تفاقمت الظاهرة بشكل ملحوظ، في ظل تزايد أعداد الفقراء حول العالم، ليبقى الأطفال الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية واجتماعية تختطف طفولتهم قبل الأوان.


