الوحدة – هدى سلوم
من الحقول التي كانت تمتد كبساط ذهبي تحت شمس الصيف، وبين سنابل القمح التي تتمايل على إيقاع الريح كأنها ترتل نشيد الأرض الأبدي، تبدأ حكاية لا تنتهي.
بهذه الكلمات المفعمة بالحنين افتتح الدكتور غسان القيم حديثه قائلاً:
في هذا الفجر أيقظتني رائحة قديمة قادمة من أعماق السنوات البعيدة، رائحة حنطة مسلوقة كانت تتصاعد من ذلك (الدست) الكبير في ساحة الدار، حين كانت الأيادي تتعب، لكن القلوب لا تعرف التعب، وحين كان للخبز حكاية، وللحصاد عيد، وللأرض أمومة لا تنضب.
أرى والدتي، رحمها الله، واقفة قرب الوعاء الكبير، ككاهنة من كاهنات الخير، تراقب حبات الحنطة وهي ترقص في الماء المغلي، بينما كنا نحن الصغار نطوف حولها كالعصافير الجائعة. كانت العيون معلقة بالبخار المتصاعد، والأرواح تسبق الأيدي إلى ذلك الطعم الذي ما زالت الذاكرة تحتفظ بحلاوته حتى اليوم.
وما إن تقترب (السليقة) من النضج حتى تبدأ طقوسنا الصغيرة، فيحمل كل واحد منا صحنه بلهفة المنتظر هديته من السماء، نختلس بعض الحبات الذهبية، ونذر فوقها قليلاً من السكر، فنشعر وكأن الدنيا كلها قد اجتمعت في تلك اللقمة البسيطة المباركة.
يا لها من أيام… لم تكن غنية بما نملك، بل بما نشعر. كانت حفنة قمح تجمع العائلة أكثر مما تجمعه اليوم موائد عامرة، وكان بخار الحنطة المسلوقة يحمل دفئاً لا تستطيع آلاف الأجهزة الحديثة أن تصنع مثله.
واليوم، حين أستعيد تلك المشاهد، أشعر أنني لا أتذكر طعاماً فحسب، بل زمناً كاملاً كانت فيه الأرض أقرب إلى الناس، وكانت البيوت أكثر امتلاءً بالمحبة، وكانت الطقوس الريفية الجميلة تنسج بين أفراد الأسرة خيوطاً من الألفة لا تنقطع.
لقد غابت كثير من تلك العادات، وانسحبت بهدوء كما ينسحب المساء عن سفوح القرى، لكنها لم تغب عن الذاكرة، فما زالت تعيش فينا كجمر دافئ تحت رماد السنين، يكفي أن تهب عليه نسمة حنين حتى يتوهج من جديد.
صباح الخير لكل ذكرى جميلة ما زالت تسكن قلوبنا، وصباح الخير لسنابل القمح، ولأمهاتنا اللواتي كن يصنعن من أبسط الأشياء أعياداً صغيرة، تبقى راسخة في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات.




