التضليل الإعلامي.. صناعة للوهم ومعركة تستهدف العقول

8 دقيقة للقراءة



الوحدةـ سهى درويش ـ سنان سوادي

انتشرت في الآونة الأخيرة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو مازاد من إمكانية التضليل الإعلامي، وإنتاج الأخبار الكاذبة وانتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فكيف يمكننا التمييز بين الخبر الحقيقي والخبر المضلل؟، وماهو دور المؤسسات الإعلامية الحكومية واتحاد الصحفيين في التصدي لهذه الظاهرة؟، وكيف يمكننا كشف التزييف الإعلامي بطرق ذاتية؟، وماهو مستقبل التضليل الإعلامي وسط انتشار أدوات رقمية متطور في فضاء إعلامي مفتوح؟

دور الإعلام الحكومي

وعن دور الإعلام الحكومي في مواجهة التضليل الإعلامي أكّد رئيس تحرير صحيفة الوحدة محمود الرسلان أن التضليل الإعلامي يُعدّ من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات في الوقت الراهن مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة تداول المعلومات دون تحقق أو تدقيق كافٍ، مشيراً إلى أن خطورته تكمن في تأثيره على الرأي العام، وتهديده للاستقرار الاجتماعي.

وأوضح أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب جهوداً متكاملة خاصة مع تصاعد المحتوى المضلل والمُنتج عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، لافتاً إلى أن للدولة دوراً أساسياً في دعم الصحافة الأخلاقية والموضوعية التي تلتزم بالمعايير المهنية المسؤولة، وتطوير تشريعات تواكب العصر الرقمي، وتحدّ من نشر الأخبار الكاذبة دون المساس بحرية التعبير.

وأضاف أنّ المسؤولية لا تقتصر على المؤسسات فقط، بل تشمل الأفراد أيضاً من خلال التحقق من المعلومات ومقارنتها من مصادر متعددة قبل تداولها، وعدم الانجرار وراء الأخبار غير الموثوقة، مشدداً على أن الوسيلة الإعلامية الرسمية تحصل على المعلومات من مصادرها، ونعمل في الصحيفة على مواجهة التضليل الإعلامي من خلال نشر الخبر الصحيح، مع تحقيق التوازن الدقيق بين السبق الصحفي، وضمان دقة المعلومة وصحة الخبر ومصداقيته.

أطر قانونية ورفع كفاءة

من جهته أوضح عضو لجنة اتحاد الصحفيين في اللاذقية الإعلامي محمد رنكي أن الاتحاد يقوم بدور حيوي في حماية المجتمع من التضليل الإعلامي والأخبار الكاذبة والمفبركة التي تستهدف السلم الأهلي، ولاسيما في ظل ما تتعرض له سوريا عموماً، واللاذقية خصوصاً من حملات ممنهجة لنشر الشائعات والأخبار المضللة.

وأكد رنكي أن الاتحاد يعمل كخط دفاع أول عبر ترسيخ معايير الدقة والموضوعية، ووضع الأطر المهنية التي تُلزم الصحفيين بالتحقق من مصادر المعلومات قبل النشر بما يسهم في تحصين الرأي العام المحلي من التزييف المعلوماتي، وضبط ممارسة المهنة وفق أسس مسؤولة.

وأضاف رنكي أنه لمواجهة هذا التدفق المضلل يتخذ الاتحاد إجراءات قانونية ومسلكية حازمة بحق أي تجاوزات تتعلق بنشر معلومات غير دقيقة، حيث تتدرج هذه الإجراءات وفق الأنظمة الداخلية وقانون الإعلام لتصل إلى المساءلة التأديبية في حال ثبوت القصد أو الإهمال في تحري الحقيقة، وذلك لضمان عدم تحول المنصات الإعلامية إلى أدوات لنشر الشائعات التي تضر بالأمن المجتمعي.

وبيّن رنكي أن الاتحاد وبهدف تعزيز قدرات العاملين في القطاع الإعلامي ينظم برامج تدريبية متخصصة تهدف إلى رفع كفاءة الصحفيين في مهارات التحقق الرقمي، وكشف المحتوى المضلل، كما شارك في إعداد مدونة السلوك المهني لتكون مرجعية أخلاقية وقانونية تضبط العمل الصحفي في الميدان.

وإلى جانب ذلك، ينفذ اتحاد الصحفيين في اللاذقية ندوات وورش عمل متخصصة لمكافحة التضليل الإعلامي، وذلك ضمن جهود وطنية، وبالشراكة مع الاتحاد الدولي للصحفيين بما يسهم في تبادل الخبرات وتطبيقها ضمن السياق المحلي، ويعزز ممارسة صحفية واعية ومسؤولة.

صناعة المحتوى المضلل

بدوره، أشار الإعلامي ومدقق المعلومات في شبكة الجزيرة هادي خراط إلى تنوع الأساليب التي تُستخدم حالياً في صناعة ونشر المحتوى المضلل بشكل كبير، لكن أبرزها اليوم يعتمد على المزج بين المحتوى الحقيقي والمفبرك مثل إعادة نشر مقاطع قديمة خارج سياقها الزمني، أو استخدام صور حقيقية مع عناوين مضللة تغيّر معناها بالكامل.

وأضاف خراط أنه برزت كذلك تقنيات التلاعب الرقمي مثل التزييف العميق، إلى جانب الحسابات الوهمية والمنسقة التي تضخم انتشار رواية معينة، ولا يمكن إغفال دور “القصص العاطفية” التي تُصاغ بعناية لتحريك الجمهور، ودفعه للمشاركة دون تحقق، وهنالك أمثلة كثيرة، وخاصة بالواقع السوري.

كشف التضليل

وبيّن خراط أن الأدوات والمنهجيات الأكثر فاعلية في رصد وكشف التضليل الإعلامي تكمن في تعزيز التفكير النقدي، والقدرة على التمييز بين الخبر المضلل وطبيعة نشره وتوقيته وأين نشر ولماذا ومتى، وتعزيز الشك، والابتعاد عن المواضيع الحساسة.

وأكّد أن العمل الفعّال يعتمد على مزيج من الأدوات التقنية والمنهجية الصحفية، بالإضافة إلى تتبع المصدر الأول للمحتوى، مشدداً على أن التحقق متعدد المصادر، وفهم السياق، وتحليل السردية المحيطة بالمحتوى هي من أهم الركائز.

وذكر خراط  مجموعة من المؤشرات التحذيرية تساعد على اكتشاف المحتوى المضلل مثل غياب مصدر واضح أو موثوق، أو استخدام عناوين مثيرة ومبالغ فيها، والتناقض في التفاصيل، كما أن غياب التغطية من وسائل إعلام موثوقة لحدث كبير يعد مؤشراً مهماً، بالإضافة إلى وجود الصور أو الفيديوهات التي تفتقر لسياق زمني ومكاني واضح تستدعي الشك، خاصة إذا انتشرت بشكل مفاجئ ومكثّف.

أداة لا بديل

وعن مدى إمكانية الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في التحقق من الأخبار أوضح خراط بأن الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة قوية، لكنه ليس بديلاً عن الحكم البشري، وهذه التقنيات تساهم في تسريع عمليات الرصد مثل اكتشاف الأنماط أو تحليل كميات كبيرة من البيانات، وفي الوقت نفسه حذّر خراط أنها قد تخطئ في فهم السياق أو في التمييز بين السخرية والتضليل لذلك الاستخدام الأمثل هو ضمن نموذج “إنسان + آلة “، حيث يدعم الذكاء الاصطناعي عمل الصحفي ولا يستبدله.

أولوية التحقق على النشر

ولفت خراط أن بناء منظومة فعّالة للتدقيق والتحقق داخل المؤسسات الإعلامية يتطلب وجود سياسات تحريرية واضحة تعطي أولوية للتحقق قبل النشر،  وتدريب الصحفيين بشكل مستمر على أدوات وأساليب التحقق، وتخصيص فرق أو وحدات مستقلة للتدقيق. منوهاً إلى أهمية بناء ثقافة داخل المؤسسة تشجع على التشكيك المهني، وليس مجرد نقل المعلومات، وأكّد خراط أن الشفافية في تصحيح الأخطاء تعزز ثقة الجمهور.

التحديات

ولفت خراط إلى أن أبرز التحديات التي تواجه المتخصصين في هذا المجال هي السرعة مقابل الدقة، حيث يفرض إيقاع الأخبار ضغطاً كبيراً، كما أن التطور المستمر في أدوات التضليل يجعل من الصعب مواكبته دائماً، والتحدي في الوصول إلى المعلومات الموثوقة في بيئات مغلقة أو أثناء النزاعات، إضافة إلى الهجمات المنظمة على المدققين ومحاولات التشكيك بعملهم.

مواجهة الضغوط

وفيما يتعلق بمواجهة الضغوط التي تؤثر على عمل فريق التحقق، بيّن خراط أن ذلك يتطلب استقلالية تحريرية واضحة، والتزام بمعايير مهنية صارمة، بالإضافة لوجود سياسات داخلية تحمي فريق التحقق، وتفصل بين التحرير والمصالح، كما أن الشفافية في عرض المنهجية والأدلة تساعد في تحصين العمل ضد أي محاولات للتأثير أو التشكيك.

مستقبل التضليل الإعلامي

وأشار مدقق المعلومات في شبكة الجزيرة هادي خراط إلى أن مستقبل التضليل الإعلامي في ظل تطور تقنيات التزييف العميق (Deepfake) يتجه نحو مزيد من التعقيد، حيث ستصبح المواد المفبركة أكثر إقناعاً وأصعب في الاكتشاف، لكن في المقابل ستتطور أدوات الكشف أيضاً، وسيكون التحدي الأكبر في كسب ثقة الجمهور لأن التضليل لن يعتمد فقط على الخداع، بل أيضاً على زرع الشك بكل شيء، لذلك المستقبل يتطلب رفع الوعي الإعلامي لدى الجمهور، إلى جانب تطوير أدوات تحقق أكثر تقدماً.

إرسال تصحيح لـ: التضليل الإعلامي.. صناعة للوهم ومعركة تستهدف العقول

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *