الباحثة الاقتصادية د. منال الشياح: لمجلس الشعب دور هام في تعزيز مسيرة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار

8 دقيقة للقراءة

الوحدة- نعمان أصلان

تشكل مباشرة مجلس الشعب السوري مهامه مرحلة مهمة في مسار إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وتعزيز دورها في قيادة مرحلة التعافي الاقتصادي والتنمية. فالمجلس، بوصفه السلطة التشريعية، لا يقتصر دوره على سن القوانين ومناقشة الموازنة العامة للدولة، وإنما يمتد ليكون أحد أهم أدوات رسم السياسات العامة، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، وتوفير البيئة القانونية التي تساعد على استقرار الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمارات.

أهمية مضاعفة

وتقول الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح، نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية بجامعة دمشق في حوار مع صحيفة الوحدة إنه في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها سورية خلال السنوات الماضية، فإن  مباشرة المجلس مهامه تكتسب أهمية مضاعفة باعتبارها خطوة نحو ترسيخ العمل المؤسسي، وتوفير إطار تشريعي قادر على مواكبة متطلبات إعادة الإعمار وتحقيق التنمية المستدامة.
وقد تعرض الاقتصاد السوري خلال السنوات الأخيرة لتحديات عميقة تمثلت في تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي، وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن الأضرار الواسعة التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات العامة. أضف إلى ذلك تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد في حركة التجارة والاستثمار والتحويلات المالية، الأمر الذي جعل عملية التعافي الاقتصادي أكثر تعقيداً.

حاجة ملحة لمؤسسات تشريعية قوية

وتضيف الدكتورة الشياح بأنه وفي ظل تلك  التحديات تبرز الحاجة إلى مؤسسات تشريعية قوية قادرة على صياغة قوانين حديثة تدعم الإصلاح الاقتصادي وتواكب المتغيرات المحلية والدولية، وهو ما يعزز الحاجة من مجلس الشعب إلى أن يسهم في تحديث المنظومة التشريعية الاقتصادية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة. فالتشريعات الاقتصادية تشكل الأساس الذي تقوم عليه حركة الاستثمار والإنتاج والتجارة، و كلما كانت هذه التشريعات أكثر وضوحاً واستقراراً ومرونة، ازدادت قدرة الاقتصاد على جذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية.

تشجيع الاستثمار وتحسين الإنتاجية

ولفتت الباحثة الشياح إلى أنه ومن هذا المنطلق، فإن إصدار قوانين حديثة تنظم الاستثمار، وتحسن بيئة الأعمال، وتبسط الإجراءات الإدارية، وتعزز حماية حقوق المستثمرين، يمكن أن يكون من أهم النتائج الإيجابية لبدء المجلس ممارسة مهامه بصورة فاعلة، مشيرة إلى أن أثر التشريع  لا يقتصر على تشجيع الاستثمار فقط، بل يمتد إلى تحسين أداء القطاعات الإنتاجية كافة، إذ يستطيع المجلس من خلال القوانين التي يقرها أن يدعم القطاع الزراعي عبر تشجيع استخدام التقنيات الحديثة، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتوفير الحوافز للمزارعين، كما يمكنه دعم القطاع الصناعي من خلال تشريعات تسهم في تطوير المدن الصناعية، وتشجيع الصناعات الوطنية، وزيادة القدرة التنافسية للمنتجات السورية في الأسواق المحلية والخارجية، كذلك يمكن أن يسهم في تطوير قطاع الخدمات، ولا سيما الخدمات المالية والرقمية، بما يتلاءم مع التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

إقرار الموازنة العامة للدولة

وأشارت الدكتورة الشياح إلى أن من أهم المهام التي يضطلع بها مجلس الشعب إقرار الموازنة العامة للدولة التي تعد  الأداة الأساسية لتنفيذ السياسات الاقتصادية والاجتماعية،  مبينة أن المجلس يناقش بنود الموازنة ويقيم أولويات الإنفاق العام، بما يضمن توجيه الموارد المتاحة إلى القطاعات الأكثر أهمية، مثل التعليم والصحة والطاقة والزراعة والصناعة والبنية التحتية، إضافة إلى مايحققه النقاش البرلماني للموازنة يعزز الشفافية في إدارة المال العام، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد، بما ينعكس إيجاباً على كفاءة الإنفاق الحكومي وتحقيق التنمية المتوازنة.

دور رقابي هام

وعن أهمية الدور الرقابي للمجلس باعتباره أحد أهم وسائل تعزيز الحوكمة الرشيدة، قالت الدكتورة الشياح بأن الرقابة البرلمانية الفاعلة على أداء الحكومة والمؤسسات العامة تساعد في الحد من الهدر المالي، ومكافحة الفساد، وتعزيز المساءلة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، كما تساهم في متابعة تنفيذ الخطط الاقتصادية، والكشف عن العقبات التي تواجه المشاريع التنموية، واقتراح الحلول المناسبة لمعالجتها، وأكدت بأنه كلما ازدادت فعالية الرقابة البرلمانية، زادت  ثقة المواطنين والمستثمرين بمؤسسات الدولة، وهو ما ينعكس بصورة إيجابية على النشاط الاقتصادي.

المجلس وإعادة الإعمار

وأشارت الباحثة د.الشياح إلى أن مرحلة إعادة الإعمار  هي  من أبرز الملفات التي ينتظر أن يكون لمجلس الشعب دور محوري فيها، كون إعادة بناء ما تضرر من البنية التحتية والمنشآت الإنتاجية والخدمية يتطلب إطاراً تشريعياً متكاملاً ينظم عمليات الاستثمار والتمويل والشراكة بين القطاعين العام والخاص، ويحمي حقوق الملكية، ويوفر الضمانات القانونية اللازمة لتنفيذ المشاريع الكبرى، كما يحتاج هذا الملف إلى قوانين مرنة تشجع مشاركة رؤوس الأموال الوطنية والمغتربة، وتفتح المجال أمام الاستثمارات التي تسهم في إعادة تنشيط الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل.

تحسين مناخ الاستثمار

وأضافت نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية إلى كل ما تقدم أيضاً الإسهام المتوقع للمجلس في تحسين مناخ الاستثمار من خلال مراجعة التشريعات الضريبية والجمركية، والعمل على تحقيق التوازن بين تشجيع المستثمرين وضمان حقوق الدولة المالية، لافتة إلى أن وجود نظام ضريبي عادل وواضح، وإجراءات جمركية مبسطة، وسياسات اقتصادية مستقرة، تعد من أهم العوامل التي تؤثر في قرارات المستثمرين، وأشارت إلى أن دعم التحول الرقمي في الخدمات الحكومية، وتبسيط إجراءات الترخيص وتسجيل الشركات، يسهمان في تقليل البيروقراطية وتحسين بيئة الأعمال.

دور اجتماعي فاعل

ولا تقتصر الآثار الاقتصادية لمباشرة المجلس مهامه على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل تمتد إلى الجوانب الاجتماعية أيضاً وفقاً للدكتورة الشياح التي أشارت إلى أن نجاح السياسات الاقتصادية والتشريعات الجديدة في تحفيز الاستثمار وزيادة الإنتاج سيؤدي إلى إيجاد فرص عمل جديدة، وخفض معدلات البطالة، وتحسين مستويات الدخل، وتعزيز القوة الشرائية للمواطنين. كما أن زيادة الإيرادات العامة للدولة ستتيح توسيع الإنفاق على الخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، الأمر الذي يسهم في تحسين مستوى المعيشة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.

نجاح مشروط

ونوهت الدكتورة الشياح إلى أن الأثر الاقتصادي المتوقع لمباشرة مجلس الشعب أعماله لن يتحقق بصورة تلقائية، بل يرتبط بعدد من العوامل الأخرى، في مقدمتها قدرة الحكومة على تنفيذ القوانين والسياسات التي يقرها المجلس، وتوافر الموارد المالية اللازمة لتمويل برامج التنمية، واستمرار العمل على الإصلاح الإداري والمؤسسي، كما أن تطورات العلاقات الاقتصادية الخارجية، وإمكان تخفيف القيود المفروضة على الاقتصاد السوري، ستؤثر بدرجة كبيرة في سرعة التعافي الاقتصادي ومدى الاستفادة من الإصلاحات التشريعية.

الاستعانة بذوي الخبرة ضرورة

وقالت الدكتورة الشياح في سياق حديثها بأن التجارب الدولية تؤكد أن المجالس التشريعية الفاعلة تؤدي دوراً أساسياً في تحقيق التنمية الاقتصادية، من خلال سن قوانين متوازنة، وتعزيز الشفافية، ومراقبة الأداء الحكومي، وتوفير بيئة مستقرة للأعمال.  مؤكدة وبناء على ما تقدم أن نجاح مجلس الشعب السوري في ممارسة صلاحياته بكفاءة، والانفتاح على آراء الخبراء والاقتصاديين وممثلي القطاع الخاص، سيعزز من جودة التشريعات الاقتصادية، ويزيد من قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات التنمية.

خطوة مؤسساتية هامة

واختتمت الدكتورة الشياح حديثها بالقول بأن مباشرة مجلس الشعب مهامه تمثل خطوة مؤسساتية مهمة نحو تعزيز الاستقرار الاقتصادي في سورية، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات العامة، وتهيئة البيئة القانونية اللازمة لدعم الاستثمار والإنتاج وإعادة الإعمار، منوهة إلى أنه ورغم أن المجلس لا يمتلك وحده القدرة على حل جميع المشكلات الاقتصادية، فإن دوره في التشريع والرقابة وإقرار السياسات العامة يجعله شريكاً أساسياً في عملية التعافي الاقتصادي، خصوصاً إذا اقترنت جهوده بإصلاحات اقتصادية وإدارية شاملة، وتعاون فعال بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو الأمر الذي يمكن أن يسهم في تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية، بما يحقق تطلعات السوريين في الاستقرار والازدهار والتنمية.

إرسال تصحيح لـ: الباحثة الاقتصادية د. منال الشياح: لمجلس الشعب دور هام في تعزيز مسيرة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *