الوحدة – تمام ضاهر
أكد خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود أن توقيع اتفاقية تطوير حقول الغاز بين الشركة السورية للبترول وشركة «كونوكو فيليبس» الأمريكية يشكل نقلة نوعية في مسار إعادة إعمار سوريا، ويعد أول اتفاق تنفيذي كبير مع شركة أميركية كبرى منذ التحرير عام 2024.
وأوضح عبود في تصريح خاص لـ«الوحدة» أن الاتفاق يأتي بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع العقوبات عن سوريا في تموز 2025، ما فتح الباب أمام استثمارات واسعة في قطاع الطاقة، تحمل فوائد اقتصادية واستراتيجية مهمة للبلاد.
وأشار إلى أن الأهمية الاقتصادية للاتفاق تتمثل في المساهمة بمعالجة أزمة الطاقة المزمنة التي تعاني منها سوريا، مبيناً أن إنتاج الغاز انخفض من نحو 30 مليون متر مكعب يومياً عام 2011 إلى أقل من ثلث هذا المستوى حالياً، في حين يقدر الاحتياج اليومي اللازم لتأمين الكهرباء بشكل مستمر بنحو 23 مليون متر مكعب.
وأضاف أن الاتفاق يهدف إلى زيادة الإنتاج بما يتراوح بين 4 و5 ملايين متر مكعب يومياً خلال عام واحد من بدء التنفيذ، الأمر الذي سيسهم في خفض تكاليف استيراد الغاز والفيول، وتقليل الأعباء المالية التي تتحملها الخزينة العامة.
ولفت عبود إلى أن الاتفاقية تتضمن شروطاً مجزية للجانب السوري، إذ تحصل سوريا بموجبها على 56 بالمئة من إنتاج الغاز، وهي نسبة تفوق المعدلات المتعارف عليها في عقود تطوير الغاز التي تدور عادة حول 50 بالمئة، ما يعكس حرصاً على حماية المصلحة الوطنية وتحقيق عوائد اقتصادية وتقنية ملموسة.
وأكد أن الاتفاق يبعث برسالة ثقة إلى المستثمرين الدوليين، ويعكس التزام الحكومة السورية بتوفير بيئة استثمارية جاذبة، الأمر الذي قد يشجع شركات عالمية أخرى على دخول السوق السورية، بما يعزز المنافسة ويخفض التكاليف التشغيلية.
وبيّن أن سوريا تمتلك احتياطيات مؤكدة من الغاز تقدر بنحو 285 مليار متر مكعب، إلى جانب خطط لاستكشاف حقول بحرية جديدة، ما يمهد الطريق لاستعادة موقعها كدولة منتجة للطاقة، وصولاً إلى هدف استراتيجي يتمثل في مضاعفة الإنتاج بحلول عام 2030.
وأشار إلى أن تحقيق فائض في الإنتاج مستقبلاً قد يفتح المجال أمام تصدير الغاز، الأمر الذي يوفر مورداً مهماً من القطع الأجنبي ويسهم في تمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية، ما يجعل الاتفاقية حجر أساس في مسار التعافي الاقتصادي.
وعلى الصعيد الاستراتيجي، رأى عبود أن الاتفاق يتجاوز الجوانب الاقتصادية والفنية ليطال جوهر العلاقات السورية الأمريكية ومستقبل الاستثمار في سوريا، معتبراً أنه يمثل أبرز اختراق اقتصادي وسياسي في مسار العلاقات بين البلدين خلال المرحلة الحالية.
وأضاف أن العقد يعكس تحولاً في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، ويفتح قناة للتعاون الاقتصادي المباشر يمكن أن تنعكس إيجاباً على ملفات سياسية أخرى، بما فيها مسارات التطبيع والتعاون الأوسع بين الجانبين.
ووصف عبود الاتفاق بأنه «تصويت بالثقة» من شركة عالمية بحجم «كونوكو فيليبس» في السوق السورية، ما يحد من المخاطر الاستثمارية ويشجع شركات دولية أخرى على دخول الاقتصاد السوري.
وكشف أن مؤشرات عدة تفيد بوجود اهتمام متزايد من شركات أمريكية أخرى لدخول السوق السورية، من بينها Baker Hughes وHunt Energy وArgent LNG، والتي تدرس خططاً لتطوير قطاع الطاقة السوري.
وختم عبود تصريحه بالتأكيد على أن تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة سيسهم في نقل الخبرات والتكنولوجيا الحديثة، وخفض التكاليف التشغيلية من خلال وفورات الحجم، وخلق بيئة تنافسية تدعم الاقتصاد الوطني وتعزز فرص النمو خلال السنوات المقبلة.


