الوحدة – غانه عجيب
يتربع الرمان على عرش الزراعات في الساحل السوري، ولا يقتصر استخدامه على الغذاء فقط وغناه بمضادات الأكسدة، بل كقصة صمود وانتماء تتوارثها الأجيال، فشجرة الرمان ليست مجرد محصول زراعي، بل هي شريان اقتصادي ومصدر دخل أساسي لآلاف الأسر.
وتنتشر هذه الزراعة على مساحات واسعة في المحافظات الساحلية عموماً، نظراً لملائمة الظروف البيئية، مما يجعل عائداتها المادية ركيزة هامة للاقتصاد المحلي المرتبط بالأرض.
مزارعو الرمان: ارتباط بالأرض وتحديات مناخية
في جولة لصحيفة “الوحدة” في ريف اللاذقية، التقت بعدد من المزارعين الذين تحدثوا عن شجون هذه الزراعة وطموحاتها، المزارع حبيب مهنا من ريف جبلة يصف الرمان بأنه شجرة مباركة ومعمرة، ويضيف: ورثت هذه الأرض عن والدي وحافظت على أشجارها، ورغم قيمتها العالية، إلا أننا نعاني هذا الموسم من صعوبات جمة، أبرزها ضعف التسويق والآفات الزراعية، فضلاً عن تقلبات الطقس وعدم الآفات الزراعية، مما أثر سلباً على جودة الثمار.
المزارع هيثم مرهج من ريف جبلة، يؤكد أن الرمان يضمن مردوداً مالياً ممتازاً في حال نجاح الموسم، خاصة وأن تكاليفه الإنتاجية أقل مقارنة بالحمضيات، ويوضح مرهج أن ثمار الرمان تدخل في صناعات غذائية متعددة كالعصير، والمربى، ودبس الرمان بنوعيه الحلو والحامض، مشيراً إلى أن طبيعة التربة الساحلية والرطوبة العالية تمنح رمان المنطقة نكهة فريدة، وعن أبرز التحديات أشار إلى خطورة “فأر الحقل”، معرباً عن أسفه لتأثر هذا الموسم بالظروف الجوية التي أدت إلى تساقط نسبة كبيرة من الثمار قبل نضجها.
أما المزارع غيث رجب من قرية كرسانا، يرى في الرمان زراعته المفضلة نظراً لقلة تكلفتها ومردودها الوفير، ويبين رجب أن جودة المحصول تختلف باختلاف الأصناف المنتشرة مثل: (الفرنسي، الحلو، الماوردي، والحامض)، مؤكداً أن نجاح الموسم يعتمد بالدرجة الأولى على مكافحة “ذبابة الثمار” والالتزام بالتسميد المتوازن (خاصة البوتاسيوم والكالسيوم)، مشيراً إلى استخدام بعض المزارعين لأشجار الرمان كسياج طبيعي لحماية أراضيهم.
إرشادات لضمان الإنتاجية ومكافحة التشقق
وللوقوف على الجانب العلمي والتقني لهذه الزراعة، التقت “الوحدة” المهندس الزراعي محمد سعيد، الذي قدم قراءة تفصيلية حول واقع وتطوير زراعة الرمان: أن زراعة الرمان شهدت توسعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة على امتداد الأراضي السورية، حيث تمتاز الشجرة بقدرتها على للنجاح في معظم أنواع التربة، وبشكل خاص التربة جيدة التصريف، مع اختيار الصنف المناسب لكل بيئة.
تنظيم الري.. مفتاح الجودة
أوضح سعيد أن شجرة الرمان تُصنف ضمن الأشجار المقاومة للجفاف، لكنها تحتاج إلى برنامج ري منتظم ومكثف خلال فترتي الإزهار ونمو الثمار، على أن يتم تقليل الري تدريجياً قبل جني المحصول لتفادي تشقق الثمار، حيث تكفي شجرة الرمان رية واحدة كل 15 يوماً، وإن عدم التقيد بمواعيد محددة للري يؤدي مباشرة إلى تشقق الثمار وانخفاض قيمتها التسويقية.
العمر والإنتاجية
تعتبر أشجار الرمان من الأشجار المعمرة التي قد يصل عمرها إلى 50 عاماً، وتبدأ بالإنتاج الفعلي ودخول مرحلة الإثمار ابتداءً من سنتها الثالثة، وهي لا تتطلب جهداً عضلياً أو تكاليف مادية مرتفعة مقارنة بباقي الأشجار المثمرة.
الأمراض والآفات الشائعة وطرق التصنيع
تتعرض ثمار الرمان لعدة أمراض وآفات تزداد حدتها مع ارتفاع الرطوبة واعتدال درجات الحرارة، مما يؤثر على كمية الإنتاج وجودته، وأبرزها: دودة ثمار الرمان (الدافور)، عفن الثمار الداخلي والأسود، البياض الدقيقي، ذبابة الفاكهة، ورغم هذه الآفات، يظل الرمان مادة أولية فاخرة للصناعات المنزلية والغذائية، حيث يُصنع منه أفضل أنواع الدبس (الحلو والحامض)، والمربيات، والعصائر الطبيعية المنعشة، وإن ما يميز رمان الساحل السوري ليس فقط قيمته الغذائية والاقتصادية، بل كونه إرثاً حياً يتناقله الأبناء عن الأجداد، ومحركاً أساسياً للحياة في قرى متمسكة بأرضها لتظل تثمر “ذهباً أحمر”.



