الذهب يتراجع عالمياً رغم التوترات الجيوسياسية.. هل يفقد المعدن الأصفر مكانته كملاذ آمن؟

9 دقيقة للقراءة

الوحدة – تمام ضاهر

أكد خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود أن الأسواق المالية العالمية شهدت في بداية عام 2026 حدثاً لافتاً هز ثقة المستثمرين التقليديين، تمثل في الانخفاض الحاد لأسعار الذهب والفضة، حيث سجلا معاً أكبر خسارة يومية منذ أكثر من أربعة عقود.

وأوضح عبود في تصريح خاص لـ«الوحدة» أن هذا الانخفاض، الذي بلغ نحو خمس القيمة مقارنة بالذروة التي وصل إليها المعدنان في أواخر كانون الثاني الماضي، لم يكن مجرد تصحيح فني عابر، بل أثار تساؤلات جوهرية حول طبيعة الذهب كملاذ آمن في ظل تعقيدات الاقتصاد العالمي الحديثة.

وأشار إلى أن المستثمرين كانوا يتوقعون ارتفاع أسعار الذهب بالتزامن مع تصاعد الحروب والتوترات الجيوسياسية، إلا أن ما حدث كان معاكساً تماماً، الأمر الذي دفع العديد من المحللين إلى إعادة تقييم دور الذهب في المحافظ الاستثمارية، والبحث في الأسباب التي أدت إلى هذا السلوك غير المألوف للأسواق.

وبيّن عبود أن التفسير التقليدي لحركة الذهب يستند إلى علاقته العكسية مع الدولار الأميركي وأسعار الفائدة الحقيقية، إذ يؤدي تراجع الدولار أو انخفاض الفائدة عادة إلى ارتفاع الذهب باعتباره أصلاً لا يدر عائداً مالياً. إلا أن ما شهدته الأسواق خلال الأشهر الأولى من عام 2026 تجاوز هذه القواعد التقليدية، ودخلت على المشهد عوامل أكثر تعقيداً تتعلق بالسيولة العالمية والسياسات النقدية غير المسبوقة.

وأوضح أن المفارقة الأساسية تكمن في أن الذهب، رغم تصنيفه كملاذ آمن، يبقى مسعّراً بالدولار الأميركي، ما يجعله مرتبطاً بشكل مباشر بديناميكيات السيولة العالمية. وأضاف أن المستثمرين لم يشهدوا في أواخر كانون الثاني تراجعاً في الذهب فحسب، بل شهدوا موجة تصفية واسعة شملت مختلف فئات الأصول، من العملات الرقمية إلى الأسهم العالمية، وهو ما يشير إلى أزمة سيولة حادة أجبرت المستثمرين على بيع الأصول القابلة للتسييل بسرعة، بما فيها الذهب، لتغطية نداءات الهامش وتعويض الخسائر في استثمارات أخرى.

وأكد عبود أن الذهب في أوقات شح السيولة يتحول من ملاذ آمن إلى مصدر للنقد، موضحاً أن المستثمرين يلجؤون إلى بيعه ليس لضعف قيمته الجوهرية، وإنما للحصول على السيولة الفورية.

وأضاف أن تقارير اقتصادية دولية، من بينها تقارير لوكالة «بلومبرغ»، أشارت إلى أن إعادة تسعير السيولة العالمية كانت أحد أبرز أسباب هذا التراجع، بالتزامن مع تغير توقعات أسعار الفائدة وقوة الدولار الأميركي.

ولفت إلى أن ارتفاع احتمالات تشديد السياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لمواجهة الضغوط التضخمية الناجمة عن الصراعات الدولية أدى إلى زيادة تكلفة الاحتفاظ بالذهب، باعتباره أصلاً لا يحقق عائداً دورياً، الأمر الذي دفع جزءاً من المستثمرين إلى التحول نحو أدوات استثمارية أخرى أكثر جاذبية.

وأشار عبود إلى أن الحرب في الشرق الأوسط كشفت عن تغير مهم في سلوك الأسواق، إذ أثبتت أن القاعدة القائلة إن الحروب ترفع أسعار الذهب ليست صحيحة دائماً. فعلى عكس التوقعات، لم يحقق الذهب مكاسب مع اندلاع الحرب، بل خسر نحو خمس قيمته منذ الذروة التي سجلها مطلع العام، ما يعكس تحولاً في نفسية المستثمرين وآليات اتخاذ القرار لديهم.

ورأى أن المستثمرين باتوا يميزون بين أنواع المخاطر المختلفة، فمخاطر التضخم أو انخفاض قيمة العملات ما تزال تدعم الذهب، بينما تدفع المخاطر الوجودية الكبرى، مثل الحروب الإقليمية واسعة النطاق، المستثمرين إلى التوجه نحو الدولار الأميركي وسندات الخزانة الأميركية باعتبارها أكثر قدرة على توفير السيولة الفورية والحماية في الأجل القصير.

وأضاف أن هذا التحول أثار تساؤلات حول هوية الذهب الاستثمارية، وهل ما يزال يمثل عملة بديلة وأداة لحفظ القيمة، أم أنه أصبح أقرب إلى سلعة استثمارية تتأثر بعوامل السوق التقليدية كغيره من الأصول.

وأوضح عبود أن الأسابيع الأولى من عام 2026 شهدت موجة ارتفاع قوية للذهب نتيجة المخاوف المرتبطة بالسياسات النقدية الأميركية، وخاصة بعد التصريحات المتعلقة بإضعاف الدولار وتسريع وتيرة تحركه، وهو ما دفع المستثمرين إلى اللجوء للذهب كوسيلة للتحوط من تراجع القوة الشرائية للعملة الأميركية.

إلا أن المشهد تغير لاحقاً مع تصاعد المخاوف من اندلاع حرب إقليمية، حيث انتقل اهتمام المستثمرين من التحوط ضد التضخم إلى البحث عن السيولة والأمان الفوري، الأمر الذي انعكس سلباً على أسعار الذهب ودفعه إلى التراجع من مستوياته القياسية.
وأكد أن السؤال الأهم اليوم لم يعد يتعلق بأسباب انخفاض الذهب، بل بما إذا كان دوره كملاذ آمن قد تغير بصورة دائمة، موضحاً أن الإجابة تتطلب إعادة تعريف مفهوم «الملاذ الآمن» نفسه في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية المتسارعة.
وأشار إلى أن الأنظار اتجهت بقوة نحو سندات الخزانة الأميركية خلال الأشهر الماضية، حيث فضّل كثير من المستثمرين الأصول التي تجمع بين الأمان والعائد والسيولة المرتفعة. وبيّن أن السندات الأميركية توفر مزايا لا يوفرها الذهب، أبرزها العائد المنتظم والضمانات الحكومية، ما جعلها تستقطب جزءاً من الأموال التي كانت تتجه تقليدياً إلى المعدن الأصفر.

كما لفت إلى أن الأسواق شهدت خلال آذار الماضي، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، تحولاً سريعاً نحو ما يعرف باستراتيجية «الملاذ أولاً»، حيث تصدرت السندات الأميركية والفرنك السويسري قائمة الأصول الأكثر طلباً، في حين تراجع الاهتمام النسبي بالذهب مقارنة بالمراحل السابقة.

وتحدث عبود عن عامل آخر يتمثل في تنوع أدوات التحوط المتاحة للمستثمرين، مشيراً إلى أن شريحة من المستثمرين الجدد باتت تنظر إلى البيتكوين بوصفه بديلاً رقمياً للذهب، خاصة في ظل تنامي النقاشات حول مستقبل النظام المالي العالمي وتراجع الهيمنة المطلقة للدولار.

وأضاف أن البنوك المركزية، التي لعبت خلال السنوات الأخيرة دوراً مهماً في دعم أسعار الذهب من خلال زيادة مشترياتها، قد تعيد تقييم استراتيجياتها مستقبلاً تبعاً للتطورات الاقتصادية والسياسية العالمية، وإن كانت ما تزال حتى الآن تحافظ على مستويات مرتفعة من الطلب على المعدن الأصفر ضمن سياسة تنويع الاحتياطيات.

وأشار إلى أن الذهب يعاني أيضاً من مفارقة وصفها بـ«الهروب إلى القمة»، حيث يؤدي الإقبال الجماعي على شرائه إلى رفع الأسعار بشكل كبير، لكن محاولة الجميع بيعه في الوقت نفسه خلال أزمات السيولة تؤدي إلى هبوط حاد في الأسعار، وهو ما ظهر بوضوح خلال أحداث مطلع عام 2026.

ورغم ذلك، شدد عبود على أن الحديث عن نهاية دور الذهب كملاذ آمن يبقى سابقاً لأوانه، مؤكداً أن المعدن الأصفر ما يزال يمتلك مزايا استراتيجية لا تتوافر في كثير من الأصول الأخرى، وفي مقدمتها استقلاله عن الحكومات والبنوك المركزية وعدم ارتباطه المباشر بالتزامات أي جهة سيادية.

كما أن استمرار البنوك المركزية، ولا سيما في الاقتصادات الناشئة، بشراء الذهب بكميات كبيرة لتقليل الاعتماد على الدولار يوفر دعماً هيكلياً طويل الأجل لأسعاره، ويعزز مكانته ضمن النظام المالي العالمي.

وأضاف أن التراجع الحالي يجب النظر إليه باعتباره تصحيحاً بعد موجة ارتفاعات قوية أوصلت الذهب إلى مستويات تاريخية، وليس دليلاً على فقدانه لقيمته الاستثمارية أو دوره التقليدي في التحوط ضد التضخم وتراجع العملات وعدم اليقين طويل الأمد.

وختم عبود بالقول إن التراجع الذي شهده الذهب خلال عام 2026 لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة تضافر ثلاثة عوامل رئيسية، هي أزمة السيولة العالمية، والتحول نحو الأصول الورقية الأكثر أماناً وسيولة، وانعكاس توقعات أسعار الفائدة.

وأكد أن الذهب لن يتوقف عن كونه ملاذاً آمناً، لكنه لم يعد الملاذ الوحيد كما كان يُنظر إليه سابقاً، إذ باتت طبيعة الأزمة هي التي تحدد الأصل الأكثر أماناً في كل مرحلة. ففي أزمات التضخم وتآكل قيمة العملات يبقى الذهب في الصدارة، أما في أزمات الحروب الحادة وندرة السيولة فقد يتقدم الدولار الأميركي أو سندات الخزانة كخيار فوري للمستثمرين.

وأشار إلى أن الدرس الأبرز من أحداث عام 2026 يتمثل في أن الأمان المالي لم يعد مرتبطاً بأصل واحد، بل بإدارة المخاطر وتوزيع الاستثمارات بذكاء بين الذهب والسندات والعملات القوية، بما يحقق التوازن المطلوب في مواجهة التقلبات العالمية المتزايدة.

إرسال تصحيح لـ: الذهب يتراجع عالمياً رغم التوترات الجيوسياسية.. هل يفقد المعدن الأصفر مكانته كملاذ آمن؟

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *