الوحدة – رزان بركات
في الجهة الغربية من مدينة اللاذقية، وعلى مقربة من شاطئ البحر، يتربع المتحف الوطني باللاذقية شاهداً على تاريخ طويل من النشاط التجاري والحضاري الذي عرفته المدينة عبر العصور. ويجاور المبنى حديقة المنشية العامة، في موقع يعكس الأهمية الاقتصادية التي تمتعت بها اللاذقية كميناء رئيسي على الساحل السوري.
يعود تاريخ بناء المتحف إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي، حيث شُيّد في الأصل كخان لاستقبال البحارة والمسافرين والتجار الوافدين عبر البحر، وعرف آنذاك باسم “خان الدخان“. وكلمة “خان” ذات أصل فارسي وتعني الفندق أو النزل، وقد انتشرت هذه المنشآت مع ازدهار الحركة التجارية في المدينة، إذ كانت اللاذقية تضم أكثر من عشرة خانات بالقرب من المرفأ، ما يؤكد الدور المحوري الذي لعبته في تنشيط التجارة وتسهيل حركة المسافرين والبضائع.
وبعد انتقال ملكية الخان بين عدد من المستثمرين والأفراد، قامت بلدية اللاذقية بشراء المبنى عام 1978، قبل أن تنتقل ملكيته عام 1981 إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف، ليبدأ فصل جديد من تاريخه كمتحف وطني يحتضن إرث المحافظة الثقافي والأثري.
ويتميز المبنى بضخامته ومتانة بنائه وتناسق عناصره المعمارية. ويتألف من طابقين، يضم الطابق الأرضي فناءً مكشوفاً تحيط به أروقة محمولة على دعائم حجرية من الجهات كافة. ويضم الرواق الجنوبي ست قاعات متجاورة، بينما يتميز الرواق الغربي بمدخل صغير يقود إلى درج حجري يصل إلى سطح البناء، في حين يتكون الرواق الشرقي من صف من الدعائم الحجرية الحاملة للسقف.
أما الطابق العلوي فقد أُضيف عام 1904 فوق الزاوية الجنوبية الغربية من المبنى، ويتألف من صالة مركزية تتوزع حولها غرف وقاعات واسعة ذات سقوف خشبية وزخارف معمارية جميلة تعكس الطراز السائد آنذاك.
ويضم المتحف ست قاعات رئيسية تعرض مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة. فالقسم الأول مخصص لآثار الشرق القديم، ويحتوي على مكتشفات أثرية من مدينة أوغاريت، من بينها ألواح فخارية مكتوبة باللغتين الأوغاريتية والأكادية، إضافة إلى تمثال للإله إيل.
وتعرض القاعة الثانية آثار موقع ابن هاني الأثري المعاصر لأوغاريت، وتشمل دمى فخارية بأشكال إنسانية وحيوانية، ومجموعة من الأختام الأسطوانية، وقالباً لصب السبائك البرونزية والنحاسية التي استخدمت في التبادل التجاري بين دول حوض المتوسط.
أما القاعة الثالثة فتضم آثار العصور الكلاسيكية اليونانية والرومانية والبيزنطية، وتتوزع مقتنياتها ضمن خزائن عرض تحتوي على نقود فضية وبرونزية، ومصنوعات عظمية وعاجية يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الخامس الميلادي.
وتحتضن القاعة الرابعة آثاراً إسلامية متنوعة، من بينها دنانير ذهبية أموية ومصحف كريم يعود إلى بدايات القرن العشرين، فيما خصصت القاعة الخامسة للفن الحديث وتضم نحو ثلاثين لوحة زيتية تجسد طبيعة الساحل السوري وجمالياته. أما القاعة السادسة فتستخدم كمستودع لحفظ وأرشفة اللقى الأثرية المكتشفة في محافظة اللاذقية.
ولا تقتصر أهمية المتحف على قاعاته الداخلية، إذ تشكل حديقته الممتدة على مساحة تقارب الهكتار متحفاً مفتوحاً في الهواء الطلق، تتوزع فيه التماثيل الحجرية والرخامية والشواهد والأنصاب التذكارية التي تعود إلى العصور الكلاسيكية والإسلامية، وتحمل العديد منها كتابات ونقوشاً بلغات قديمة. كما تضم الحديقة مجموعة مميزة من التيجان والأعمدة الحجرية التي كانت جزءاً من النسيج العمراني التاريخي للمدينة.
ويظل المتحف الوطني باللاذقية أحد أبرز المعالم الثقافية في المحافظة، لما يختزنه من شواهد تاريخية توثق حضارات تعاقبت على الساحل السوري، وتروي للأجيال قصة مدينة كانت على الدوام بوابة للتواصل التجاري والثقافي عبر البحر المتوسط.




