الوحدة – نعمان اصلان
يشكل القرار الجمركي السوري الجديد أحد أبرز القرارات الاقتصادية التي صدرت في المرحلة الأخيرة، لما يحمله من تأثيرات مباشرة على مختلف القطاعات الاقتصادية والمعيشية في البلاد.
تنظيم التجارة الخارجية
توضح الدكتورة منال الشياح نائب عميد كلية الاقتصاد الثانية في جامعة دمشق في حوار لصحيفة الوحدة، أن الرسوم الجمركية لاتُعد مجرد ضرائب تُفرض على السلع المستوردة، بل تُعتبر أداة اقتصادية مهمة تستخدمها الدول لتنظيم التجارة الخارجية، وحماية الإنتاج المحلي، وزيادة الإيرادات العامة، والتأثير في حركة الأسواق والأسعار.
وأضافت أن القرار الجديد جاء في ظل ظروف اقتصادية معقدة تعاني منها سوريا، أبرزها ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة المحلية، وضعف القوة الشرائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب صعوبات الاستيراد والتصدير ونقص بعض المواد الأساسية، ما جعل أي تعديل في السياسة الجمركية يمس حياة المواطنين بشكل مباشر، وليس مجرد إجراء إداري أو مالي محدود التأثير.
إعادة لهيكلة نظامنا الجمركي
وأشارت الشياح إلى أن القرار الجديد يهدف إلى إعادة هيكلة النظام الجمركي السوري عبر اعتماد جدول “التعرفة الجمركية المتناسقة” وفق التصنيف العالمي الحديث للسلع، وهو مايُعد خطوة تنظيمية تسعى إلى توحيد وتحديث آليات التعامل الجمركي بما يتوافق مع المعايير الدولية.
وبينت أن القرار تضمن تخفيض الرسوم على عدد من المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، مقابل رفع الرسوم على عدد من السلع الاستهلاكية والمنتجات التي لها بدائل محلية، في إطار سياسة تهدف إلى حماية الصناعة الوطنية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
دعم للمنتج المحلي
ولفتت د.الشياح إلى أن أبرز المواد التي خُفضت رسومها الجمركية بموجب القرار الجديد فتشمل المواد الداخلة في الصناعات الغذائية، مثل الحليب المجفف والسكر الخام والزيوت النباتية والبقوليات وبعض المواد الصناعية الأولية، حيث تسعى الحكومة من خلال هذه التخفيضات إلى تخفيف تكاليف الإنتاج على المصانع المحلية وتشجيعها على زيادة الإنتاج وتحسين قدرتها التنافسية، منوهة إلى أن ارتفاع تكاليف المواد الأولية كان يشكل عبئاً كبيراً على الصناعيين، ويؤدي في كثير من الأحيان إلى ارتفاع أسعار المنتجات المحلية أو تراجع قدرتها على المنافسة أمام المنتجات المستوردة.
وفي المقابل رفعت الحكومة في هذا القرار الرسوم الجمركية على مجموعة من السلع الجاهزة والكمالية وبعض المنتجات التي تُنتج محلياً، مثل السكاكر والبسكويت وبعض المواد الكهربائية ومواد البناء ومنتجات الألمنيوم والـPVC، مبررة ذلك بحماية المنتج المحلي من المنافسة الأجنبية، ومنح الصناعات الوطنية فرصة للنمو والتوسع داخل السوق السورية.
تنشيط للصناعة الوطنية
وأكدت الشياح أن سياسة الحماية الجمركية تقوم نظرياً على جعل السلع المستوردة أكثر تكلفة، بما يدفع المستهلك إلى التوجه نحو المنتج المحلي الأقل سعراً، الأمر الذي يسهم في تنشيط الصناعة الوطنية وزيادة الإنتاج وايجاد فرص عمل جديدة، وقد استخدمت العديد من الدول هذه السياسة في مراحل مختلفة من تطورها الاقتصادي من أجل دعم الصناعات الناشئة وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي.
شروط هامة للنجاح
إلا أن نجاح هذه السياسة في الحالة السورية وكما تقول الدكتورة الشياح يعتمد على مجموعة من العوامل المهمة، أبرزها قدرة القطاع الصناعي المحلي على تلبية احتياجات السوق من حيث الجودة والكمية والسعر، فالحماية الجمركية وحدها لا تكفي لإنجاح الصناعة إذا كانت المصانع تعاني من مشكلات مزمنة مثل ارتفاع تكاليف الطاقة، وصعوبة الحصول على المواد الأولية، وضعف التمويل، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، وفي حال لم تتم معالجة هذه المشكلات، فإن رفع الرسوم الجمركية قد يؤدي ببساطة إلى ارتفاع الأسعار دون تحقيق تطور حقيقي في الإنتاج المحلي.
وشددت على أن نجاح هذه السياسة في سوريا يبقى مرتبطاً بقدرة القطاع الصناعي المحلي على تلبية احتياجات السوق من حيث الجودة والكمية والأسعار، إضافة إلى معالجة المشكلات المزمنة التي تواجه الصناعة، مثل ارتفاع تكاليف الطاقة، وصعوبة تأمين المواد الأولية، وضعف التمويل، وانقطاع الكهرباء، وارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.
وحذرت من أن رفع الرسوم الجمركية دون معالجة هذه المشكلات قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار فقط، دون تحقيق تطور حقيقي في الإنتاج المحلي، متوقعة أن تنعكس الرسوم الجديدة على أسعار العديد من السلع المستوردة، بما قد يؤدي إلى موجة تضخم جديدة تزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين.
تحذير من التضخم
ولفتت الدكتورة الشياح إلى أن التضخم هو من أخطر التحديات الاقتصادية التي تواجه أي مجتمع، لأنه يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الدخل الحقيقي للمواطنين.
تحدي التهريب
ولفتت الدكتورة الشياح إلى أن القرار الجديد قد يؤثر على قطاع التجارة والاستيراد، فقد يؤدي ارتفاع الرسوم الجمركية إلى تراجع حجم المستوردات النظامية، خصوصاً بالنسبة للسلع التي أصبحت تكلفتها مرتفعة، وقد يدفع ذلك بعض التجار إلى تقليل عمليات الاستيراد أو البحث عن بدائل أقل تكلفة، في حين قد يلجأ البعض الآخر إلى التهريب لتجنب الرسوم المرتفعة، وهو ماقد ينتج مشكلة جديدة.
واعتبرت الدكتورة الشياح التهريب من أبرز المشكلات التي قد تنتج عن السياسات الجمركية المرتفعة، لأن الفارق الكبير بين أسعار السلع النظامية والمهربة يشجع على انتشار التجارة غير الشرعية، مما يؤدي إلى خسارة الدولة جزءاً من إيراداتها الجمركية، وإضعاف المنافسة العادلة في الأسواق، ولذلك فإن نجاح القرار يتطلب تشديد الرقابة الجمركية، ومكافحة شبكات التهريب.
انعكاس إيجابي
ورأت الشياح أن القرار يحمل جوانب إيجابية تتعلق بتحديث الإدارة الجمركية، واعتماد الأنظمة الإلكترونية لتسهيل عمليات التخليص وتنظيم التجارة الخارجية، بما يسهم في تقليل البيروقراطية والفساد وتحسين بيئة الأعمال والاستثمار.
زيادة للشفافية
وأضافت أن تحسين الإدارة الجمركية قد ينعكس إيجاباً على مستوى الشفافية وزيادة تحصيل الإيرادات العامة وتقليل التهرب الجمركي، في ظل سعي الحكومة إلى تعزيز مواردها المالية.
تشجيع الاستثمار المحلي
ومن التأثيرات الإيجابية المتوقعة للقرار كما تشير الدكتورة الشياح هو تأثيره على الاستثمار المحلي، إذ قد يشعر بعض المستثمرين بأن هناك توجهاً حكومياً نحو حماية الصناعة الوطنية، مما قد يشجعهم على إقامة مشاريع إنتاجية جديدة أو توسيع أعمالهم داخل السوق السورية. لكن هذا الأمر يبقى مرتبطاً بتوفير بيئة اقتصادية مستقرة وآمنة، تشمل توفر الطاقة والبنية التحتية والتمويل والاستقرار النقدي.



