“بآيار احمول منجلك واندار”.. أنشودة الحصاد في الذاكرة السورية

2 دقيقة للقراءة

الوحدة – هدى سلوم

لم يكن قول الأجداد “بآيار احمول منجلك واندار” مجرد مثل شعبي عابر، بل كان أشبه بترتيلة زراعية قديمة، خرجت من بين سنابل القمح ورائحة التراب المبلل بندى الفجر، لتختصر علاقة الإنسان السوري بأرضه، وتروي حكاية تعبٍ جميل يثمر خبزاً وحياة.

ويشير الدكتور غسان القيم في أوراقه وكتاباته إلى أن أيار في الذاكرة السورية العتيقة ليس شهراً عادياً، بل هو موسم الامتلاء الأخير، حين تتحول الحقول إلى بحر ذهبي تهزه الريح، وتنحني السنابل كأنها تشكر الأرض التي احتضنتها طوال الشتاء.

وفي ذلك الزمن، كان الفلاح يستيقظ قبل أن يصحو الضوء، يغسل وجهه بماء الجرة البارد، ثم يحمل منجله على كتفه كما يحمل المحارب سيفه قبل المعركة.

وفي البيوت الطينية، كانت النساء يخبزن أرغفة التنور الساخنة، فتختلط رائحة القمح والنار بعبق زهر أيار، فيما تعلن الديكة من فوق الجدران أن موسم الحصاد قد اقترب.

ويعني قولهم “احمول منجلك” الاستعداد الكامل، فالأرض التي شاركت الإنسان تعبه عاماً كاملاً بدأت تمنحه سرها الأخير، أما “اندار” فليست مجرد دعوة للدوران في الحقول، بل نداء للحياة نفسها، أن امضِ بين السنابل، تفقد تعبك، واستمع إلى خشخشة القمح وهي تشبه همس الذهب حين ينضج تحت الشمس.

لقد أدرك الأجداد أن أيار لا ينتظر الكسالى، ففيه تتجدد بركة العام، ويتحدد إن كان تعب الإنسان قد أثمر خبزاً أم خيبة.

وبقي هذا القول حيّاً حتى اليوم، كأنه نقش ريفي قديم محفور على باب بيت طيني تتدلى فوقه حزم القمح اليابسة، ويجلس عند عتبته شيخ يراقب المواسم بعينين امتلأتا بحكمة التراب، مردداً “بآيار احمول منجلك واندار”… أي يا ابن الأرض، هذا أوان التعب الجميل، فالأرض لا تمنح كنوزها لمن ينام طويلاً، بل لمن يعرف كيف يمشي خلف الشمس، حاملاً منجله وقلبه معاً.

إرسال تصحيح لـ: “بآيار احمول منجلك واندار”.. أنشودة الحصاد في الذاكرة السورية

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *