الوحدة- تمام ضاهر
أصدرت وزارة الداخلية السورية تعميماً يهدف إلى تنظيم وترخيص التظاهر السلمي في سوريا، وذلك وفق أطر ومحددات قانونية تنفيذية تعيد تحقيق التوازن بين الحق في التظاهر الذي باتت تكفله، وتحميه الدولة السورية، والحفاظ على الأمن العام وسلامة الإخوة المواطنين.
ويشكل هذا التعميم خطوة إضافية تسير بها الحكومة السورية الجديدة على طريق بناء دولة المواطنة التي تكفل الحقوق والحريات الأساسية، وذلك من خلال قوننة واحد من أبرز هذه الحقوق، وهو الحق في التعبير من خلال الاحتجاج والتظاهر السلمي، كونه أداة عملية ومظهراً من مظاهر ممارسة الحرية وصولاً إلى تمكين التظاهر السلمي ثقافة وأسلوباً ضمن الحياة السياسية من خلال نشاط الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني.
لقد أعاد التعميم الوزاري الجديد فعل التظاهر السلمي من دائرة التجريم، والعقوبة التي كرسها نظام الاستبداد المجرم إلى القاعدة القانونية الأم، وهي الأصل في الأفعال الإباحة، فالسلطة الحقيقية التي تمثل الإرادة الشعبية لا تمنع التظاهر كحق من حقوق الإنسان بحجة الأمن، والحفاظ على النظام العام، ولكنها تكفله وتحميه لمواطنيها ورعاياها، وبذات الوقت تضع لهم الضوابط والمحددات القانونية كمسار التظاهرة وشعاراتها وأهدافها، وذلك وفق معايير واضحة وعالمية.
إن إصدار تعميم جديد يعيد تنظيم التظاهر في بلد كسوريا عانت الأمرين من سلطة الاستبداد، وتسلط أجهزة القمع، وهيمنة قوانين الطوارئ على مدار خمسين عاماً لهو أبلغ تعبير عن صيرورة التغيير حقيقة ملموسة، وبزوغ عهد جديد من الحرية والاستقرار تجنب فيه الحكومة السورية مواطنيها الفوضى، وتحمي من خلاله السلم الأهلي، وتصون العيش المشترك، وهو رسالة مفادها أن الحكومة تتلمس نبض الشارع السوري، وتنظر بعين الرعاية إلى مطالبه المحقة، ولكنها بذات الوقت تحافظ على وجود الدولة وهيبة القانون، فتقنين التظاهر ينتقل به من فعل غير قانوني مُجرم إلى حق أساسي مكفول ومنظم.
إن الدولة السورية الجديدة التي انبثقت من رحم الشرعية الثورية اختارت بعد عام ونصف العام من انطلاقة عملية إعادة بناء الدولة والمجتمع والإنسان أن تعيد تنظيم التظاهر كاستجابة حقيقية لمتطلبات إعادة بناء الدولة الحديثة وفق الأطر والمسارات القانونية، ويأتي مباشرة بعد تقدم سوريا درجات على معايير حرية الصحافة عالمياً، وهي رسالة واضحة للداخل والخارج تؤكد أننا نسير وفق المسار الانتقالي الصحيح المرسوم، وهو مسار انتقال ديمقراطي تؤيده الشرعية الدولية، ويحقق بالدرجة الأولى طموحات وآمال السوريين.


