الوحدة- د. رفيف هلال
ضمن برنامج مديرية الثقافة في اللاذقية، ألقى الأستاذ عمار درويش علي محاضرة ثقافية قيّمة جاءت بعنوان “فلسفة التاريخ”، وذلك يوم السبت 11 نيسان في القاعة الرئيسية بالمركز الثقافي في اللاذقية.
توقفت المحاضرة عند عدد من المحاور الفكرية المهمة، كان أبرزها ضرورة استخلاص العِبر من التاريخ، إذ لفت المحاضر إلى الفرق بين التسلسل الزمني للأحداث، الذي يقتصر على ترتيبها من الأقدم إلى الأحدث دون تحليل، وبين فلسفة التاريخ التي تهدف إلى إدراك المعاني العميقة، واكتشاف القوانين والعلل الكامنة وراء تلك الأحداث.
كما أشار إلى ما يُعرف ب “التاريخ الصغير”، الذي يهتم بحوادث جزئية قد تُستخدم أحياناً لتشويه “التاريخ الكبير” الأوسع، والذي يتضمن إنجازات كبرى لشخصيات أو حضارات مؤثرة.
وأوضح أن فلسفة التاريخ تعتمد على أسس منهجية تبدأ بجمع المعلومات، مروراً بقراءة المشهد التاريخي، ثم ربط الأحداث ببعضها، وصولاً إلى تفسير مسار التطور.
وتطرّق الأستاذ عمار درويش علي إلى فلسفة التاريخ عند ابن خلدون، الذي ركز على نظرية العصبية باعتبارها العامل الأساسي في نشوء الجماعات الساعية إلى الحكم أو السيطرة. فالعصبية، بحسب ابن خلدون، هي رابطة نفسية اجتماعية تقوم على القرابة المادية أو المعنوية، وتشتد في أوقات الخطر.
كما تناول المحاضر أفكار المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، الذي تأثر بفكر ابن خلدون، ووسّع نطاق التحليل من الدولة إلى الحضارة. ويُعد توينبي من أهم فلاسفة التاريخ في القرن العشرين، وعُرِف بمؤلفه الضخم “دراسة في التاريخ”. ومن أفكاره نظرية “التحدي والاستجابة”، التي ترى أن الإنسان يواجه صعوبات طبيعية وبشرية في مسيرته لبناء الحضارة، ويقابلها باستجابات قد تكون ناجحة فتقوده إلى التقدم، أو فاشلة فتؤدي إلى الإخفاق.
وبيَّنَ أن هذه التحديات قد تكون قاسية فتؤدي إلى العجز والاستسلام، أو ضعيفة فتحتاج إلى همم وقدرات، أو خلاقة تُفجّر الإبداع وتُطلق الطاقات الكامنة. وأكد وجود علاقة طردية بين التحديات والاستجابات، يمكن تمثيلها بمخطط بياني يقود في نهايته إلى إقامة الحضارة.
وخلصت المحاضرة إلى أن أفكار ابن خلدون وتوينبي تمثّل رؤيتين متكاملتين تساعدان على تفسير الكثير من الظواهر المعاصرة.
وقد اتصفت المحاضرة بطرحها المميز وأسلوبها التحليلي، حيث خرج المحاضر عن السرد التاريخي التقليدي إلى فضاء التأمل الفلسفي. كما اتّسم بالجرأة الفكرية والحياد، إذ قدّم نقداً متوازناً للحضارات، مشيداً ببعض النماذج مثل الصين، ومظهراً في الوقت نفسه إسهامات ابن خلدون.
وفي نهاية المحاضرة، بدا واضحاً أثرها الإلهامي على الحضور، إذ ترسخ نظرية “التحدي والاستجابة” الإيمان بقدرة الإنسان على التأثير في مجرى التاريخ، بدل الاستسلام لظروفه.


