الوحدة ـ سهى درويش ـ سنان سوادي
أقامت مديرية الثقافة باللاذقية بالتعاون مع دائرة الآثار والمتاحف وفرع اتحاد العمال، مساء أمس، في المتحف الوطني، ندوة بعنوان “التراث المادي والهوية الحضارية”، وذلك ضمن فعاليات أسبوع “الثقافة والتراث المادي”.
رئيس دائرة آثار اللاذقية محمد الحسن أكّد لصحيفة “الوحدة” أن التحدي الأكبر تمثّل في مرحلة مابعد التحرير، والصعوبات التي واجهت العمل خلال تلك الفترة.
وأشار إلى أبرز الإنجازات الحالية، ومنها العمل على إعادة افتتاح المتحف المغلق منذ عام 2012، واستعادة القطع الأثرية المعارة أو الموجودة خارج مكانها.
كما تطرق إلى التحديات المتعلقة بـ”قلعة صلاح الدين”، والمسجلة على لائحة التراث العالمي لدى اليونسكو، والتي كادت أن تُزال من القائمة، إلا أنه تم الحفاظ على إدراجها. وأضاف أنه خلال زيارة إلى فرنسا استمرت يومين، تم استقطاب بعثات أثرية للعمل، كما تم إدراج موقع أوغاريت على القائمة التمهيدية للتراث العالمي.
وشدد على أن إيجاد الحلول لا يمكن أن يتم دون مشاركة المجتمع المحلي والمؤسسات الحكومية، مشيراً إلى أنه بعد التحرير تم الحفاظ على كافة المواقع الأثرية بالتعاون مع الجهات المعنية، دون تسجيل أية مخالفات.
كما لفت إلى وجود تعاون مع مديرية التربية لنشر الوعي حول أهمية الآثار، من خلال شعبة ثقافة الطفل، إضافة إلى جهود فردية في الأرشفة وإنشاء قواعد بيانات، مع التأكيد على أهمية دور الإعلام في نشر الوعي المجتمعي للحفاظ على الآثار، إلى جانب دور المراكز الثقافية في التعريف بها ومنع التعدي عليها.
الآثار مكملة لعلم التاريخ
بدوره أشار رئيس دائرة آثار جبلة عبد الله زكريا إلى أهمية علم الآثار إلى جانب علم التاريخ، موضحاً أن علم التاريخ هو الأقدم، بينما نشأ علم الآثار بشكل منهجي في القرن الثامن عشر، وتطوّر لاحقاً عبر جمعيات علمية بدأت في إيطاليا، ثم فرنسا، وبريطانيا، وصولاً إلى الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن علم الآثار يُعد مكمّلاً لعلم التاريخ، إذ يوثّق الروايات التاريخية أو ينفيها أحياناً، من خلال المكتشفات الأثرية والمباني التاريخية ومواقع التنقيب، التي تُعد بمثابة كتب تاريخية مادية تُقرأ إلى جانب المصادر المكتوبة.
وأكّد على ضرورة الحفاظ على المواقع الأثرية، سواء المكتشفة بشكل كامل أو جزئي، ومتابعتها بشكل مستمر، كونها تمثل ماضي هذه البلاد الذي يُبنى عليه المستقبل. ولفت إلى أن القلاع الأثرية تعكس تعاقب حضارات متعددة، مثل قلعة صلاح الدين التي تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، بدءاً من العصور البيزنطية، مروراً بالفترة الحمدانية، ثم الصليبية، وصولاً إلى الأيوبية، وخلال أعمال التنقيب في القلعة، تم العثور على قطع فخارية تعود إلى مراحل أقدم.
واختتم بالتأكيد على أن الحفاظ على الآثار مسؤولية مجتمعية، تتطلب نشر الوعي بأهميتها، وتقع هذه المهمة على عاتق الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية، باعتبار أن هذه المواقع تمثل حضارة الأجداد ويجب صونها للأجيال القادمة.
مملكة أوغاريت
فيما تحدثت رئيس شعبة التنقيب خزامة بهلول عن أهمية مملكة أوغاريت، وكيفية اكتشافها، وأهمية “مينة البيضا”، ومخطط المدينة، والمعابد الموجودة في المملكة والتنوع الديني والثقافي، والقصر الملكي، وسلطت الضوء على أهمية دورها الحضاري من خلال اكتشاف الأبجدية، والنوتة الموسيقية التي ترجمها عالم الموسيقا الراحل راؤول فيتالي والتي كانت أساس علم الموسيقا، وأهم اللقى الأثرية التي وجدت في الموقع الأثري.
نفخ الزجاج تقنية سورية
من جهته رئيس شعبة التراث فداء درويش، سلّط الضوء على القطع الأثرية المكتشفة في اللاذقية خلال العصر الروماني، ولاسيما الزجاج المعروض في المتحف، واصفاً إياه بأنه رحلة ثقافية تبدأ من كونه مادة خام في الطبيعة، مروراً بنقله من أفران الصناعة الرئيسية إلى أفران الصناعة الثانوية، ثم إلى المراكز الحضرية، حتى يتشكل في صورته النهائية كقطعة زجاجية فنية.
وركّز على أن تقنية نفخ الزجاج تُعد صناعة سورية أصيلة، انتشرت من سوريا إلى مختلف أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وكان لها دور مهم في ازدهار التجارة وتنشيط الأسواق، بل وامتد تأثيرها إلى الحياة الاجتماعية، حيث ساهمت في إبراز اسم سوريا آنذاك.
كما أشار إلى أن الكثير من الحرفيين السوريين هاجروا خاصة من مدينة صيدا، ومنهم حرفيون حملوا أسماء لاتينية مثل “أنيون”، والذي يعني بالعربية “صنعني سامي”، وقد عُثر على هذه المصنوعات في مناطق غربية، وقورنت باكتشافات مماثلة في سوريا ولبنان، ليتبين في النتائج النهائية أن هذا الزجاج ذو منشأ سوري، وأن مادته الخام انتقلت من سوريا إلى أنحاء الإمبراطورية الرومانية، وصولاً إلى إيطاليا وبريطانيا وفرنسا، حيث أعيد تشكيله في أفران ثانوية.




