الوحدة – تمام ضاهر
أكد خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، الدكتور ذو الفقار عبود، أن الاقتصاد السوري يشهد، مع ذكرى انتصار الثورة، مرحلة جديدة تتسم بتحولات مفصلية، أبرزها إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية وعودة سوريا التدريجية إلى بنية الاقتصاد الدولي ومؤسساته.
وأوضح عبود في تصريح خاص لـ”الوحدة” أن هذه المرحلة تتجلى بعودة النظام المصرفي السوري إلى شبكة SWIFT العالمية، إلى جانب استئناف التعاون مع عدد من المصارف الدولية، وتوقيع مصرف سورية المركزي اتفاقية خارطة طريق مع شركة Visa Inc العالمية لتطوير منظومة المدفوعات الرقمية، وهي من أكبر شبكات الدفع الإلكتروني في العالم.
وأشار إلى أن قطاعات الطاقة تشهد حالياً أعمال صيانة وتطوير واسعة تشمل الكهرباء والغاز والنفط، باعتبارها ركائز أساسية لدعم الاقتصاد الوطني وتحسين المستوى المعيشي، وذلك من خلال زيادة الإنتاج بالتوازي مع تسارع متطلبات إعادة الإعمار وعودة النشاط إلى مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
ولفت عبود إلى بدء عمليات التنقيب عن النفط والغاز في الساحل السوري، بالتوازي مع تطوير القطاعات الخدمية، ولا سيما السياحة والخدمات المصرفية، إضافة إلى إصلاح محطات التحويل الكهربائي في المناطق المتضررة، والبحث مع لبنان في تحديث اتفاقية ربط الكهرباء، والعمل على تحسين تشغيل أنبوب النفط الواصل بين سوريا والعراق.
وأكد أن تطوير القطاع الخدمي يشكل ركيزة أساسية في عملية التعافي الاقتصادي، لما له من دور في تحسين البنية التحتية، وتوفير فرص العمل، ودعم القطاعات الإنتاجية كالصناعة والسياحة، مشيراً إلى أن تحسين خدمات الطاقة والنقل والمصارف يسهم في رفع الكفاءة الإنتاجية وخفض التكاليف، ما يعزز جاذبية الاستثمار ويدعم النمو الاقتصادي.
وفي سياق متصل، أشار إلى إطلاق الهيئة العامة للمنافذ والجمارك كخطوة تنظيمية لتعزيز كفاءة العمل في المنافذ البرية والبحرية والمناطق الحرة، إلى جانب إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، من بينها تطوير مطاري دمشق وحلب الدوليين، ومرفأي اللاذقية وطرطوس، ومشروعات للنقل الحضري مثل إنشاء شبكة مترو في دمشق، إضافة إلى مشاريع عقارية وسياحية وترفيهية.
وبين عبود أن هذه الخطوات، إلى جانب الإصلاحات المالية والنقدية وإعادة تأهيل القطاع المصرفي، تمهد لتحويل سوريا إلى مركز إقليمي للتمويل، بالتوازي مع تجارب دول الخليج وماليزيا.
وأشار إلى جهود الحكومة في إعادة هيكلة هيئة مكافحة غسل الأموال، وتحسين تصنيف سوريا في المؤسسات المالية الدولية، بالتوازي مع إعداد تشريعات حديثة لمكافحة غسل الأموال وتعزيز الشفافية المالية.
كما لفت إلى أن تغيير العملة يُعد إجراءً سيادياً يهدف إلى تعزيز القيمة الاسمية لليرة، وتسهيل التعاملات اليومية، ومكافحة التزوير، إضافة إلى ضبط الكتلة النقدية والحد من التضخم ودعم استقرار سعر الصرف.
وبين أن التقديرات الأولية تشير إلى تراجع معدلات التضخم من نحو 170% إلى قرابة 15%، بالتزامن مع تحسن سعر الصرف بنسبة تقارب 30%، وانخفاض أسعار العديد من السلع نتيجة فتح باب الاستيراد وخفض الرسوم الجمركية، إضافة إلى استعادة أكثر من 50% من ودائع القطاع الخاص.
وفيما يتعلق بالسياسات المالية، أوضح أن وزارة المالية تعمل على مسار إصلاحي جديد يشمل تحديث النظام الضريبي، وإعادة هيكلة الإنفاق العام، وإطلاق أدوات تمويل حديثة مثل الصكوك السيادية، إلى جانب إصلاح الشركات العامة الخاسرة بالشراكة مع القطاع الخاص، وتطوير سوق دمشق للأوراق المالية لتعزيز جاذبيتها الاستثمارية.
وأكد عبود أن الحكومة تركز على قطاعي الصحة والتعليم، مع تحسين الرواتب والأجور، وزيادة الإنفاق الاستثماري باعتباره محركاً أساسياً للنمو، لما له من دور في رفع الناتج المحلي الإجمالي، وخلق فرص العمل، وتحديث البنية التحتية وتنشيط القطاعات الإنتاجية.
وأضاف أن تعزيز الإيرادات الضريبية والجمركية، ومكافحة الفساد، ومراقبة الأسعار، تشكل أدوات رئيسية لضبط التضخم وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وأشار إلى نجاح الحكومة في استقطاب استثمارات خارجية ضمن جهود إعادة الإعمار، مع خطط لإطلاق جولات ترويجية خلال عام 2026 في الخليج والولايات المتحدة وأوروبا، لجذب استثمارات قطاعية متخصصة في مجالات مثل التكنولوجيا والعقارات والطاقة المتجددة.
وأوضح أن دول الخليج، ولا سيما السعودية، تلعب دوراً محورياً في هذا الملف، من خلال اتفاقيات استثمارية مرتقبة تشمل قطاعات الإسكان والسياحة والبنية التحتية والصناعات الغذائية.
كما أشار إلى دعم صندوق النقد الدولي لجهود التعافي الاقتصادي في سوريا، إلى جانب استعداد كل من الصين وروسيا والولايات المتحدة للمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار.
واختتم عبود تصريحه بالتأكيد على أن سوريا تقف في عام 2026 عند مفترق طرق حاسم بين تثبيت الاستقرار والانطلاق نحو إعادة البناء الشامل، مشدداً على أهمية الانتقال من مرحلة الخطط إلى التنفيذ، وتحويل الزخم الحالي إلى مسار تنموي مستدام.
وبين أن المرحلة المقبلة تستوجب تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، كالفوسفات والنفط والزراعة، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي وزيادة الإيرادات التصديرية بما يتراوح بين 3 و5 مليارات دولار سنوياً، إلى جانب خلق فرص عمل واسعة، وجذب الاستثمارات لتحديث البنية التحتية والقطاعات اللوجستية.


