الوحدة – د. رفيف هلال
لم تكن الثورة السورية مجرد موقف سياسي، بل كانت شعوراً متفجراً اخترق العقول، حتى عقول الأطفال الذين لم يدركوا بعد معنى السياسة أو تعقيدات القتال. في كل ذكرى للثورة، تبقى في الذاكرة صور صغيرة لكنها محملة بمعنى ضخم: صغار في الشوارع، يحملون أعلامهم التي رسموها بأصابعهم المرتجفة، يرددون هتافات لا يعرفونها تماماً، وكأن براءتهم فهمت ما لم تفهمه الكلمات.
لم يعرف معظمهم ما تعنيه كلمة “ثورة”، ولم يرسموا على خارطة العالم سوى حدود منازلهم ومدارسهم، لكنهم شعروا بتغير ما يحيط بهم: الخوف على وجوه الكبار، الهتاف الذي يملأ الساحات، وحديث الناس عن الحرية.
الحرية، رغم غموضها، لامست قلوبهم بلا شرح، واحتضنتها مشاعرهم الطفولية بطريقة نقية وعميقة.
في المدن والبلدات، ظهر الأطفال فجأة في المظاهرات. بعضهم ممسك بيد أخيه الأكبر، وبعضهم خرج من البيت خلسة، مدفوعاً بشغف الطفولة وحنينه للمشاركة. كانوا يركضون بين الحشود، يلوحون بأيديهم الصغيرة، يرددون ما يسمعون، ظناً منهم أن الهتاف مجرد لعبة كبيرة، لكن حضورهم كان أكثر من ذلك: كان مرآة صادقة لما يحدث في المجتمع كله.
حين يهتف الطفل، يعكس ما يسمعه في المنزل والمدرسة والشوارع. وحين يرسم العَلم على دفتره، يترجم شعوراً جمعياً عاشه جيله قبل أن يفهمه بعقله.
مرت السنوات، وكبر هؤلاء الأطفال، لكن تلك اللحظات بقيت راسخة في أعماق ذاكرتهم. قد لا يتذكرون الشعارات بتفاصيلها، لكنهم لم ينسوا الشعور الغامض: أن شيئاً كبيراً يحدث، وأن الكبار والصغار يقفون صفاً واحداً بغية تحقيق حلم أكبر منهم.
في ذكرى الثورة، ربما تتعدد الروايات والتحليلات، لكن صورة الأطفال في المظاهرات تبقى من أصدق الصور. لم يكن مجرد حضور بريء، بل هو إحساس فطري بالانتماء لما حولهم، بالحرية التي شعروها قبل أن يفهموها.


