الوحدة – وداد محفوض
تستعيد الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية مزيجاً معقداً من المشاعر لدى السوريين، حيث تتداخل صور الألم والخسارات التي تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجمعية، مع تطلعات نحو مرحلة جديدة أكثر عدلاً وأقل قسوة.
فعلى امتداد السنوات الماضية، لم يكد بيت سوري يخلو من أثر تلك التجربة القاسية، فمنهم من فقد عزيزاً، ومنهم من عاش مرارة الغياب القسري، وآخرون اضطروا إلى النزوح والعيش في الشتات بعيداً عن بيوتهم ووطنهم.
وتشكّل هذه الذكرى اليوم محطة للتأمل واستحضار ما جرى، والتفكر فيما يمكن أن يكون عليه المستقبل.
وفي هذه الذكرى تستعيد الناشطة المدنية مي يونس بدايات الثورة السورية في حديثها لصحيفة “الوحدة” بوصفها لحظة ارتفعت فيها أصوات السوريين مطالبة بالكرامة والحرية، مؤكدة أن تلك المطالب البسيطة حملت آمالاً كبيرة بالتغيير.
وتشير إلى أن السنوات التي تلت تلك البدايات كانت ثقيلة بما حملته من ألم وظلم ومعاناة عاشها كثير من أبناء سوريا، إلا أن الذاكرة بقيت حاضرة، تحفظ ذكرى من فقدناهم، وتروي صبر من تحمّلوا المشقة، وتبقي الأمل حياً بأن يأتي اليوم الذي تنتهي فيه المعاناة، ويعود العدل والطمأنينة إلى البلاد.
وترى يونس معنى أن يحيا الإنسان ليرى فكرته تنتصر يتجسّد في استمرار حضور القيم التي آمن بها، “كالحرية والكرامة”، رغم الزمن والصعوبات.
وتوضح يونس أن هذا الشعور يعكس قناعة عميقة بأن التضحيات التي قدمها السوريون لم تكن عبثية، وأن سنوات الألم والصبر حملت في داخلها بذور التغيير.
فالانتصار بحسب تعبيرها، لا يقتصر على حدث سياسي، بل يتجاوز ذلك ليصبح انتصاراً للكرامة الإنسانية وإرادة الناس في أن يعيشوا بعدالة.
وتؤكد أن الثورة لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل شكلت منعطفاً غيّر حياة السوريين في مختلف المجالات، فعلى الصعيد الاجتماعي، أعادت تشكيل العلاقات بين الناس ودفعت إلى نشوء أشكال جديدة من التضامن والعمل المدني، أما على المستوى الثقافي، فقد أطلقت موجة واسعة من التعبير الفني والأدبي والإعلامي، عبّر من خلالها السوريون عن تجاربهم وآلامهم وآمالهم.
وتشير إلى أن الجانب الاقتصادي كان من أكثر الجوانب تأثراً، إذ واجه المجتمع تحديات كبيرة نتيجة الحرب وتدمير البنية التحتية وتراجع فرص العمل، كما انعكست هذه الظروف على قطاعات أساسية مثل التعليم والصحة، إضافة إلى تغيّر أنماط الحياة اليومية بشكل ملحوظ.
وقد أدت هذه التحولات إلى موجات واسعة من الهجرة واللجوء، دفعت ملايين السوريين إلى العيش خارج بلادهم، ما خلق واقعاً اجتماعياً وإنسانياً جديداً داخل سوريا وخارجها.
وتروي يونس جانباً من تجربتها الشخصية خلال سنوات الثورة، موضحة أنها شاركت منذ بداياتها ضمن فريق تطوعي ضم نحو 70 متطوعاً، عملوا على تقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين.
وتضيف أن عملهم استمر لمدة خمس سنوات في ظروف بالغة الصعوبة، حيث كانوا يضطرون إلى تغيير أماكن تجميع المساعدات باستمرار بسبب التضييق الأمني، كما كانوا ينقلون المساعدات ليلاً إلى بعض المناطق التي كان يمنع دخولها، ويسلمونها لمختار البلدة لضمان وصولها إلى المحتاجين.
وترى يونس أن تلك التجربة لم تكن مجرد عمل إغاثي، بل كانت تعبيراً عن التزام إنساني تجاه المتضررين، ومحاولة للمساهمة في التخفيف من معاناة الناس في ظل الظروف القاسية.
وتوضح أن الحياة قبل الثورة كانت تسير ضمن واقع سياسي واجتماعي محدّد، حيث كان التعبير في المجال العام محدوداً والفضاء العام مقيداً. إلا أن ما جرى بعد ذلك غيّر كثيراً من المعادلات، إذ ظهرت مساحات أوسع للتعبير والمشاركة، رغم ما رافقها من تحديات كبيرة كالحرب والنزوح والانقسام.
وتختتم يونس بالإشارة إلى أن السنوات الماضية، على قسوتها، منحت كثيراً من السوريين خبرات جديدة في العمل المدني والتنظيم المجتمعي، وأسهمت في تعميق الوعي بقضايا الحرية والعدالة وأهمية المشاركة في صنع المستقبل. وبين الألم والأمل، تبقى ذكرى انطلاق الثورة السورية مناسبة لاستحضار التضحيات، والتطلع إلى مستقبل يسوده السلام والكرامة لجميع السوريين.


