الوحدة – سها أحمد علي
تزخر الموائد الرمضانية العربية، ولا سيما الشامية منها، بمشروبات تراثية عريقة، لا تقتصر قيمتها على كونها مرطبات منعشة بعد يوم طويل من الصيام، بل تزخر أيضاً بفوائد صحية جمة وكنوز غذائية، بفضل تركيبتها الغنية بالفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة. غير أن الخبراء يوصون بعدم الإفراط في تناولها، ويؤكدون على ضرورة استشارة الطبيب لتفادي أي تفاعلات سلبية مع بعض الحالات المرضية أو الأدوية.
•قمر الدين.. طاقة ووقاية:
يُعد مشروب قمر الدين، المستخلص من المشمش المُجفف، أيقونة المشروبات الرمضانية الشعبية السورية المتوارثة، وذلك لمذاقه الطيب والمنعش وفوائده الصحية المتعددة وقيمته الغذائية العالية، فهو غني بالأحماض الدهنية الطبيعية والسكريات الطبيعية والبروتينات والألياف، إضافة إلى مجموعة واسعة من المعادن الأساسية مثل الزنك، المغنزيوم، الفوسفور، البوتاسيوم، الكالسيوم، والحديد. كما يحتوي على فيتامينات B المركبة وعلى رأسها (B1, B2) وفيتامين E المضاد للأكسدة.
أما أبرز كنوزه فهو فيتامين C (حمض الأسكوربيك – Ascorbic acid)، الذي يُقوي الجهاز المناعي ويحفز إنتاج الكولاجين (Collagen) الضروري لتجديد الخلايا والأنسجة. كما يحتوي قمر الدين على البيتا كاروتين، فضلاً عن تركيزه العالي من فيتامين A الذي يسهم في تعزيز صحة العين والحفاظ على نضارة البشرة وحمايتها من التجاعيد المبكرة. كما تمنحه مركبات الفلافونويد (Flavonoids) مثل الكاتيشين والكيرسيتين خصائص فعالة مضادة للأكسدة والالتهابات والميكروبات.
من هنا، لا يقتصر دور قمر الدين على فتح الشهية قبل الإفطار وترطيب الجسم وتقليل العطش، بل يمتد ليشمل تهدئة الأعصاب ومنح الطاقة اللازمة للشعور بالنشاط والحيوية، وتحسين الهضم بفضل خصائصه الملينة. ويساهم في زيادة الهيموغلوبين ومكافحة فقر الدم، إضافة إلى دوره في تنظيم ضغط الدم وصحة القلب والأوعية الدموية، وتحفيز وظائف الكبد وتنقية الجسم من السموم. وقد أشارت دراسة صحية إلى أن محتواه من الفوسفور والمغنزيوم ينعكس إيجاباً على تنشيط وظائف الدماغ.
إلا أن الخبراء ينصحون بتناوله باعتدال، محذرين من أن الإفراط قد يسبب مشكلات هضمية وعطشاً شديداً وزيادة في الخمول والكوليسترول الضار، كما يُنصح بعدم تناوله بالتزامن مع أقراص الفيتامينات وحبوب المكملات الغذائية لكي لا يسبّب اختلالاً في توازن الفيتامينات في الجسم.
•التمر الهندي.. منعش ومضاد للأكسدة:
لا يقل مشروب التمر الهندي شهرة عن سابقه، إذ يحظى بحضور واسع على المائدة الرمضانية لمذاقه المميز والمنعش وقدرته على إمداد الصائم بالطاقة اللازمة. وتكمن فوائده في ثرائه بمجموعة فيتامينات B المركبة (B1, B2, B3, B5, B6, B9) وفيتامينات A, K, E, C المعززة للمناعة. كما يحتوي على معادن حيوية كالحديد والفوسفور والمغنزيوم والبوتاسيوم والكالسيوم، بالإضافة إلى السيلينيوم (Selenium) الذي يحمي خلايا الكبد بمساعدة فيتامين E.
أما القيمة الكبرى للتمر الهندي فتكمن في مركباته العضوية الفعالة، إذ تعمل مركبات الفلافونويد والبوليفينول (Polyphenol) على تعزيز المناعة عبر تثبيط نشاط الشوارد الحرة، بينما يمتلك مركب اللوبيول (Lupeol) خصائص مضادة للأكسدة والالتهابات ومضادة للميكروبات والفطريات وحتى كابحة للسرطان.
ووفقاً لدراسة صحية، فإن تناول التمر الهندي بعد الإفطار يمنح مزاجاً هادئاً وانتعاشاً ويخفف الصداع ويرطب الجسم. وهو غني بمثبطات إنزيم التربسين التي تساعد في الحد من الجوع عبر تعزيز “السيروتونين”، كما أن أليافه الغذائية تعالج الإمساك والانتفاخ وتحسن الهضم. إضافة إلى ذلك، فهو مطهر للكبد ومنقٍ للسموم، ومفيد لصحة القلب والشرايين والعظام والأعصاب، ويبطئ شيخوخة الجلد. وبالرغم من فوائده، يُنصح بعدم الإفراط في شربه، خاصة لمن يتناولون أدوية كالأسبرين والإيبوبروفين وأدوية السكري، نظراً لتعارضه معها.
•الجلاب السوري.. طاقة سريعة للدماغ والجسم:
يتميز مشروب الجلاب، السوري الأصل، بمذاقه الحلو والمنعش، ويُحضّر تقليدياً من دبس الزبيب أو دبس التمر مع ماء الورد الدمشقي، ويُقدّم كوب من هذا المشروب المخفف مع بعض المكسرات النيئة لإضفاء طعمه المميز، وزيادة قيمته الغذائية والصحية. كما يُقدم إلى جانب الحلويات الشعبية.
ويُعد الجلاب مشروباً صحياً متكاملاً، إذ يحتوي على أحماض دهنية (بما فيها أوميغا 3)، وسكريات طبيعية (كالغلوكوز)، وبروتينات، وألياف، ومعادن كالزنك والمغنزيوم والمنغنيز والحديد. كما يشمل فيتامينات K, A, D, ومجموعة B (B3, B6)، وفيتامين C المعزز للمناعة والمحفز لإنتاج الكولاجين، إضافة إلى السيلينيوم ومضادات الأكسدة من الفلافونويد.
وبفضل تركيبته الغنية، يساعد الجلاب الجسم على امتصاص العناصر الغذائية بسرعة ويهيئ المعدة للهضم، ويمنح طاقة فعالة وسريعة لإنجاز المهام الجسدية والعقلية. كما أنه يرطب الجسم، ويقوي الجهاز العصبي ويهدئ الأعصاب، ويساهم في علاج فقر الدم ويدعم صحة القلب. ولعل أبرز خصائصه تأثيره الحيوي على الدماغ، إذ يمد خلايا المخ بالغلوكوز وأوميغا 3، مما ينشط الذاكرة والتركيز ويحد من تدهور القدرات المعرفية واحتمالية الإصابة بالزهايمر مع التقدم في العمر.
ومع ذلك، يبقى الاعتدال في تناوله هو الأساس، مع ضرورة استشارة الطبيب.
•العرقسوس.. لصحة المعدة والمناعة:
يستمد مشروب العرقسوس شهرته من جذور نبتة عرق السوس، ويحتل مكانة خاصة على مائدة رمضان لفوائده المتعددة. فهو غني بفيتامينات B المركبة (B1, B2, B3, B6) وفيتامين K و E، ويحتوي على معادن كالصوديوم، البوتاسيوم، الكالسيوم، المغنزيوم، الحديد، والزنك، إضافة إلى السيلينيوم المضاد للأكسدة.
وتكمن خصوصية العرقسوس في مركباته الفريدة، إذ تحتوي مادة الغلسرهيزين (Glycerrhizin) على خصائص مضادة للالتهابات والخلايا السرطانية، في حين أن الفلافونويدات (Flavonoids) الموجودة بنسبة عالية تمنحه قوة مضادة للأكسدة والالتهابات والميكروبات، وتعزز المناعة. وبفضل حمض الغلسرهيزيك (Glycyrrhizic acid)، فهو فعال في التخفيف من اضطرابات الكبد وعسر الهضم وقرحة المعدة، ويسرع في إصلاح بطانة الأمعاء. كما أنه مشروب مرطب يعوض السوائل المفقودة، ويدعم صحة الجهاز التنفسي العلوي. إلا أن التحذيرات من الإفراط في تناوله شديدة، خاصة لمرضى القلب وارتفاع الضغط والسكري والفشل الكلوي، لما يسببه من احتباس السوائل، كما يُمنع تناوله للنساء الحوامل والمرضعات.
•وأخيراً، تُشكل هذه المشروبات إرثاً غذائياً وصحياً ثميناً، غير أن المفتاح للاستفادة منها يكمن في تناولها باعتدال، واختيار طرق تحضير صحية (باستخدام مكونات مجففة طبيعياً وخالية من السكر المضاف)، مع ضرورة استشارة الطبيب المختص لتجنب أي أضرار محتملة.



