الوحدة – سليمان حسين
كانت الصناعات والمنشآت الصناعية في الزمن الماضي عنواناً اقتصادياً بارزاً دخلت في الكثير من المجالات التنموية. فقد قدّمت منتجاً محلياً وطنياً عالي الجودة لسنوات، لكن التعثّر كان مصيراً محتوماً رسمته إرادة ضعيفة لغايات مجهولة، وحرّضت عليه جهات لم تمتلك تجاه الاقتصاد الوطني أي دراية معرفية تمكّنها من مواكبة التطور المطّرد حول العالم.
في الماضي، كان اسم مدينة “الدريكيش” يقترن بمعمل حريرها إلى جانب مياهها العذبة، حيث كان معمل الحرير من أوائل المجموعات الاقتصادية التي عملت على دعم الصناعة الوطنية وتشغيل اليد العاملة، إضافة إلى تفعيل متممات تربية دودة الحرير عبر زراعة أشجار التوت. وبذلك، كان هذا النشاط يوفّر دخلاً أسرياً مستقراً كل عام، عبر تخصيص حيّز من المنزل لتربية الديدان حتى تتحول إلى شرانق، إذ تمر صناعتها بمراحل عديدة وصولاً إلى خيط الحرير الذي يُصنف ضمن الصناعات الهامة عالمياً.
وبدلاً من تطوير هذه الصناعة، أُغلقت هذه المنظومة وهي التي كانت تُعدّ فريدة من نوعها على مستوى المنطقة، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أُغلق أيضاً معمل آخر (خاص) في المنطقة نفسها، أُنشئ في سبعينيات القرن الماضي، وكان يطبق التجربة ذاتها، ويعمل على تشغيل عددٍ مقبول من أبناء المنطقة، معتمداً الأساليب نفسها التي كان يقوم عليها معمل حرير الدريكيش.
فهل نشهد اليوم انطلاقة جديدة بعقلية معاصرة تنتقل بصناعاتنا المحلية إلى مصاف الصناعات الكبرى؟ وهل تؤسس لاقتصاد متين يجيد التعامل مع الواقع بحرفية عالية، ويعتمد على الأيدي والخبرات الوطنية ليقدّم للعالم نموذجاً محترفاً؟
لقد شهدت مدينة حلب (العاصمة الصناعية) بوادر ذلك بوتيرة عالية في الماضي، غير أن هذا المسار كان يصطدم بعقلية إدارية متعجرفة، تعمل على تشتيت القوى الاقتصادية الواعدة عبر قيود وضرائب تكبّل أصحاب المنشآت، مما نمّى لديهم نزعة الهروب إلى دول أخرى تقدّر هذه الجهود وتعمل على تشجيعها وحمايتها، بينما أخذ من بقي منهم يتابع مسلسل الانحدار والتوقّف، أو باتت تراوده خيارات الاستيراد السهل عبر الواجهة البحرية.


