ما المطلوب من حكومتنا لمواجهة التداعيات المحتملة للنزاعات الإقليمية على اقتصادنا الوطني؟

4 دقيقة للقراءة

الوحدة – نعمان أصلان

تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً خطيراً يثير مخاوف اقتصادية تتجاوز حدود دول الصراع لتطال اقتصادات المنطقة بأكملها، وفي مقدمتها الاقتصاد السوري الذي يعاني أصلاً من تحديات معيشية وضغوط مالية متراكمة، فالحروب في مناطق الطاقة والتجارة لا تبقى محصورة جغرافياً، بل تمتد آثارها سريعاً عبر الأسواق والأسعار وسلاسل الإمداد.

اضطراب إمدادات الطاقة

وتقول الباحثة الاقتصادية ونائب عميد كلية الاقتصاد الثانية للشؤون العلمية في جامعة دمشق الدكتورة منال الشياح بأن أهم تلك  التداعيات المتوقعة تتمثل في اضطراب إمدادات النفط والغاز وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، الأمر الذي ينعكس مباشرة على أسعار المحروقات والسلع المستوردة في السوق المحلية، ويؤدي ذلك إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، وتسارع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود.

كما ينعكس هذا الواقع على تذبذب توفر بعض المواد الأولية اللازمة للصناعة المحلية، مما قد يؤدي إلى تباطؤ الإنتاج أو ارتفاع تكلفته فضلاً عن تراجع الثقة في الأسواق الإقليمية، الأمر الذي يدفع التجار والمستثمرين إلى مزيد من الحذر، وتأجيل قرارات التوسع أو التشغيل.

تراجع محتمل في تحويلات المغتربين

وفيما أشارت د. الشياح إلى اعتماد آلاف الأسر السورية على تحويلات العاملين في دول الخليج، فقد بينت بأن تصاعد التوترات في تلك المنطقة قد يؤثر على فرص العمل هناك ما يعني تراجع هذه التحويلات، وزيادة الضغط على ميزان المدفوعات، مضيفة إلى ذلك أن اضطراب حركة الشحن والتجارة الخارجية قد يؤدي إلى تأخر وصول السلع وارتفاع أسعارها، وربما نقص بعض المواد الأساسية في الأسواق، كما أن ارتفاع الطلب على القطع الأجنبي لتمويل الاستيراد بالتزامن مع تراجع التحويلات قد يجعل سعر الصرف يتعرض  لضغوط إضافية، الأمر الذي يفاقم من حالة عدم استقرار الأسعار، ويؤثر سلباً في مجمل النشاط الاقتصادي.

ولفتت د. الشياح إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الاستيراد والطاقة سيجعل الحكومة تجد  نفسها أمام معادلة صعبة إما زيادة الدعم وتحمّل أعباء مالية إضافية، أو تقليصه بما يرافق ذلك من آثار اجتماعية ومعيشية، حيث ستتأثر الموازنة العامة وقدرة الدولة في كلتي الحالتين على تمويل الخدمات الأساسية.

أمام التحديات.. الاستجابة ضرورة

أمام تلك التحديات تصبح الاستجابة الحكومية السريعة والمتوازنة ضرورة لا خياراً كما تقول د. الشياح، والتي أشارت في هذا السياق إلى عدد من الإجراءات الملحّة الواجب على الحكومة اتخاذها لمواجهة الموقف، والتي يأتي في مقدمتها تعزيز الأمن السلعي عبر تكوين مخزون استراتيجي من المواد الأساسية، وتشديد الرقابة على الأسواق لمنع الاحتكار والمضاربة، وترشيد استخدام القطع الأجنبي من خلال إعطاء أولوية الاستيراد للمواد الأساسية ومستلزمات الإنتاج، وتقليص استيراد الكماليات خلال فترة الأزمة، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي عبر تشجيع البدائل المحلية للمستوردات، وتقديم حوافز ضريبية وتمويلية حقيقية للقطاعات الإنتاجية بغية تخفيف الضغط على الاستيراد وخلق فرص عمل جديدة، ولا يقل أهمية عن ذلك حماية الفئات الأكثر تضرراً من خلال توسيع برامج الدعم الاجتماعي، وضبط أسعار السلع الأساسية قدر الإمكان، وإعادة توجيه الدعم ليكون أكثر كفاءة واستهدافاً.

وشددت د. الشياح في ذات السياق على ضرورة تنويع الشركاء التجاريين، والبحث عن خطوط شحن وأسواق بديلة أقل تأثراً بالتوترات الإقليمية، إضافة إلى تفعيل الاتفاقيات الاقتصادية مع الدول الصديقة، وتعزيز  الشفافية والتواصل مع المواطنين عبر شرح التحديات لهم بوضوح، وطمأنتهم بشأن توافر السلع، وإشراك القطاع الخاص في الحلول من خلال تسهيلات حقيقية لا إجرائية فقط، وتعزيز التنسيق بين الوزارات الاقتصادية لتوحيد القرار، وتجنّب التناقض في السياسات، إلى جانب تشجيع استخدام الطاقات البديلة لتخفيف الاعتماد على المشتقات النفطية المستوردة.

وأخيراً

اختتمت الدكتورة الشياح بالإشارة إلى أن الحرب الدائرة في الخليج تشكل صدمة خارجية جديدة للاقتصاد السوري، لكنها في الوقت ذاته هي اختبار لمرونة السياسات الاقتصادية وقدرتها على إدارة الأزمات، فكلما كانت الاستجابة أسرع وأكثر واقعية، وكلما جرى التركيز على دعم الإنتاج المحلي وحماية الفئات الضعيفة، كلما أمكن ذلك للحد من الخسائر، وتخفيف الأعباء المعيشية في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.

إرسال تصحيح لـ: ما المطلوب من حكومتنا لمواجهة التداعيات المحتملة للنزاعات الإقليمية على اقتصادنا الوطني؟

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *