الوحدة – مها يوسف
يشكّل السلم الأهلي الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمعات، وحماية نسيجها الاجتماعي خاصة في المراحل الحساسة التي تمر بها الدول بعد سنوات من الأزمات والصراعات، وفي محافظة طرطوس يبرز هذا المفهوم كضرورة وطنية للحفاظ على وحدة المجتمع، وتعزيز الاستقرار، وبناء مستقبل أكثر أمناً للأجيال القادمة.
نصر بلا ثائر
يرى أحد وجهاء محافظة طرطوس الشيخ ياسر عثمان أن المرحلة التي أعقبت يوم التحرير حملت آمالاً واسعة لدى السوريين خاصة مع رفع شعار “نصر بلا ثأر”، وهو ما اعتبره كثيرون خطوة مهمة لفتح صفحة جديدة تقوم على التهدئة، وتجاوز آثار المرحلة السابقة، ويشير إلى أن أبناء الجبل ومنهم المسلمون من الطائفة العلوية استقبلوا هذا الشعار بارتياح رغم تسجيل بعض الحالات الفردية التي ارتكبت في الأشهر الأولى، وتعد محدودة قياساً بحجم المظالم التي عاشها السوريون لسنوات طويلة.
مجتمع واعٍ
ويؤكد عثمان أن المجتمع السوري بطبيعته مجتمع واعٍ ومحب لوطنه، وقد أظهر قدراً كبيراً من ضبط النفس، مشيراً إلى أن ما شهدته البلاد لاحقاً من توترات تأثر أيضاً بمحاولات خارجية لإثارة الفتنة عبر حملات إعلامية مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي هدفت إلى زعزعة الثقة بين أبناء المجتمع، واستغلال حساسية المرحلة الأمنية التي رافقت إعادة بناء مؤسسات الدولة، ويضيف عثمان أن بعض هذه الحملات أسهمت في دفع قلة من الأفراد إلى الابتعاد عن توجيهات الوجهاء والمرجعيات الاجتماعية، والانخراط في مسارات تصعيدية مدفوعة بالتحريض والدعم الخارجي، مؤكداً أن هؤلاء لا يمثلون أبناء المنطقة، ولا يشكلون سوى نسبة ضئيلة جداً من المجتمع الذي يحرص على استقرار البلاد ووحدتها.
ويشير عثمان إلى أن الأحداث التي شهدتها بعض مناطق الساحل أدت إلى سقوط ضحايا من المدنيين وعناصر الأمن العام في ظل ظروف معقدة رافقت مرحلة إعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، ويؤكد أن عدداً من الوجهاء والشخصيات الاجتماعية تدخلوا لاحقاً في أكثر من منطقة للمساهمة في حقن الدماء وتهدئة الأوضاع، حيث استجاب أبناء المجتمع لدعوات التهدئة ووقف التصعيد.
السلم الأهلي ضرورة وطنية
ويشدد عثمان على أن السلم الأهلي يمثل اليوم ضرورة وطنية ملحة في هذه المرحلة، معتبراً أن الحفاظ عليه هو الطريق الأهم لتعزيز الاستقرار وبناء مجتمع متماسك في محافظة طرطوس وفي سوريا عموماً، ويرى أن الوحدة الوطنية تبقى الأساس الذي يقوم عليه استقرار الدول ونموها، وأن أي مساس بها من شأنه أن يهدد السلم الأهلي، ويؤثر في مسار التنمية والاستقرار.
كما يوضح عثمان أن السلم الأهلي لا يعني فقط غياب العنف، بل يقوم على ترسيخ ثقافة التعايش بين مختلف مكونات المجتمع، وتعزيز قيم العدالة والمساواة واحترام الحقوق، داعياً إلى عدم ترك الساحة لخطابات التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، بل إلى تعزيز دور الوجهاء في التواصل المباشر مع الناس ومعالجة الخلافات بروح المسؤولية.
دور كبير للوجهاء
ويرى عثمان أن المرحلة الراهنة تتطلب دوراً أكبر للوجهاء وفعاليات المجتمع في الإرشاد والتوجيه، وتعزيز روح التقارب بين أبناء المجتمع لأن مسؤولية الوجيه – كما يقول – مسؤولية أخلاقية ووطنية تسهم في ترسيخ الاستقرار والتفاهم بين الناس.
وعن الخطوات التي يمكن أن تدعم السلم الأهلي يشير عثمان إلى أهمية الحفاظ على حياة الإنسان وكرامته، والعمل على معالجة آثار النزاع الذي استمر سنوات طويلة من خلال تعزيز العدالة، وإصلاح المؤسسات، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في تفاقم التوترات داخل المجتمع.
كما يؤكد أن المبادرات الاجتماعية في شهر رمضان مثل صلة الأرحام، ومساعدة المحتاجين، وزيارة العائلات المتضررة تسهم في ترميم العلاقات بين أبناء المجتمع، وتعزيز روح التضامن بينهم، مشيراً إلى أن تفعيل دور الوجهاء، ودعم مبادراتهم المجتمعية يمكن أن يسهم بشكل كبير في ترسيخ السلم الأهلي، وبناء مجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً في المرحلة المقبلة.


