الياس سمعان مدير معهد “محمود العجّان”: الموسيقى رسالة محبّة.. والفنان في داخلي هو “المايسترو” لاتخاذ القرار

6 دقيقة للقراءة

الوحدة- ريم جبيلي

بين صرامة الإدارة وحساسية الفن، ينسج الأستاذ الياس سمعان تجربة فريدة في إدارة معهد “محمود العجان” الموسيقي باللاذقية. هو الذي عاصر المعهد منذ لحظاته الأولى، يتحدث اليوم ليس كمدير فحسب، بل كتربويّ يرى في تعليم الموسيقى بناءً للإنسان وصقلاً للهوية الوطنية والوجدانية.
في هذا الحوار مع “الوحدة”، يفتح سمعان قلبه وعقله ليتحدث عن إرث العجان، وتحديات الكوادر التدريسية، وطموحه لربط المعهد بالخبرات العالمية عبر التكنولوجيا الرقمية، مؤكداً أن الموسيقى هي الأداة الأقوى لمواجهة المجتمع وتحديات الحياة.. ونستعرض المسيرة الحافلة للأستاذ الياس داخل أروقة معهد “محمود العجان” باللاذقية.

بدايةً.. سألنا الأستاذ الياس سمعان، بين قيادة المعهد كمؤسسة إدارية وبين شغفك كموسيقي، كيف يخدم “الفنان” في داخلك “المدير” في قراراته؟ ليجيب: بأن “الموسيقى” و”الإدارة” هما موهبتان مختلفتان، وقد لا يحصل الشخص على نفس مستوى النضوج في الموهبتين، وكون الموهبة تعطى فلا فضل لنا في موهبة فطرية، بل يكمن عملنا في صقلها وتطويرها، وتسخيرها لخدمة المجتمع كما ينبغي.
كان لي فرصة أن أكون مع معهد العجان للموسيقى منذ اللحظة الأولى أو إن صح التعبير من اللحظة ما قبل الأولى، فكنت عضواً أساسياً وفعالاً في الفريق المشارك في إطلاق المعهد من اليوم الأول، ثم مدرساً للصولفيج، ورئيس قسم الدراسات النظرية وعضواً في مجلس المعهد، ثم مديراً مؤخراً للمعهد.  انتقالي لإدارة المعهد أفسح المجال لي لرؤية الأمور نفسها ولكن من زوايا جديدة، وأن أدرك بعمق أن للمعهد رسائل عديدة غير الرسالة الموسيقية والتعليمية المباشرة، فمن موقع الإدارة تصبح أكثر احتكاكاً مع الرسائل التربوية والإنسانية والوجدانية والأخلاقية والوطنية وغيرها التي يعمل بها المعهد.
عندما يعزف الأطفال الموسيقى، تظهر بصمة المدرّس الفنية في موسيقاه وأسلوب عزفه، فيعزفون أو يغنون بشكل يشبه معلمهم، وهذا التشابه يولّد شعور الأبوة عند المدرّس الناجح، فيتعامل مع طلابه بأسلوب أبوي كما يتعامل الأب مع ابنه الذي يحبه ويجتهد في سبيل تطويره، ثم يفتخر بإنجازه.
وجواباً على سؤالك الذي أُبدي إعجابي به “كيف يخدم الفنان في داخلك المدير في قراراته؟ “لا يمكن فصل كوني مدرّساً أو قائد جوقة أو أوركسترا عن دوري كمدير في أداء رسالة الفن والرسالة التعليمية والتي أسميها رسالة المحبة تجاه الآخر، وعلى هذا المبدأ استند أسلوب عملنا.

ولدى سؤالها الأستاذ الياس عن كون معهد “محمود العجّان” يحمل اسماً لقامة موسيقية كبيرة، فما هو الثقل المعنوي الذي يفرضه هذا الاسم وكيف تحافظون على إرث الراحل العجّان من خلال المعهد؟ أجاب: لنا كل الفخر أن نعمل في معهد تابع لوزارة الثقافة السورية ويحمل اسم موسيقيّ محليّ فذّ من اللاذقية، ولكنه عالميّ في المستوى الفني وهو “محمود العجان”، وهذا ما يجعلنا نعمل بمسؤولية تجاه فنّه وإرثه، ولكن لا نريد الوقوف عند اسم واحد فقط، فمن الجدير بالذكر وجود أسماء كثر من اللاذقية ومن سوريا تركوا إرثاً في الموسيقى السورية بل وساهمت في صناعة هويتها، وهنا أريد أن أفصح عن أمر نخطط له في المعهد وهو تسمية قاعات المعهد بأسماء هؤلاء الفنانين حتى يكونوا بدورهم قدوة بأعمالهم للأجيال الشابة.

وعن أبرز الصعوبات التي واجهته منذ توليه إدارة المعهد، وكيف تم تجاوزها؟ بيّن الأستاذ الياس أن أبرز الصعوبات التي واجهتهم هي النقص في الكوادر التدريسية مع الإقبال من الأهالي لتسجيل أبنائهم في المعهد، وتابع: رغم الجهود التي نبذلها لرفد المعهد بالكوادر، لكن لا نصل إلى العدد المرجو، لذا أعتبر وجود أكاديمية موسيقية أو كلية موسيقى في اللاذقية أمر مهم وسيكون داعماً جداً ليس فقط في رفد الكوادر، بل في وجود تشكيلات موسيقية عديدة من فرق موسيقية وكورالات على مستوى عالٍ في المحافظة، وبالتالي رفد المجال الموسيقي والفني بنشاطات موسيقية عالية المستوى تليق بأبناء اللاذقية الذواقين.

شهد المعهد نشاطات لافتة في الآونة الأخيرة (مثل الأوركسترات الطلابية والورش العمل)، وهنا سألنا الأستاذ الياس ما هو المشروع الذي تعتبره “البصمة” الحقيقية لمعهدكم حتى الآن؟ ليجيبنا: لا شك أن المعهد أقام ويقيم وسوف يقيم أنشطة مميزة عبر فرق موسيقية مكونة من طلابه وبإشراف من مدرّسي المعهد، ولكن علينا أن ندرك أن النشاطات على جمالها ليست هي غاية بالمعنى المطلق، إنما هي نتيجة طبيعية لكل عمل جاد، وهو انعكاس حقيقي لجودة العملية التدريسية والتنسيق الاداري.

لذلك من الجدير النظر إلى أنشطة المعهد بعين التقدير فهي نتيجة جهود كبيرة وأتعاب ضخمة من العديد من الأطراف ابتداءً من الإدارة والتخطيط ثم جهود الفريق المدرب واجتهاد الطلاب أنفسهم وتعب الأهالي وتعاونهم، ثم جهود الفريق المشرف على التنفيذ وصولاً للحاضنين وللداعمين والرعاة.. فكل هؤلاء يستحقون التقدير.

أما عن طموحاتهم لتطوير المعهد وهل هناك نية لإدخال اختصاصات جديدة أو تقنيات رقمية في التعليم الموسيقي؟ أجاب الأستاذ الياس: مما لا لبس فيه هو أن الموسيقى هي لغة عالمية، وفي عصرنا الحالي تتيح لنا وسائل التواصل سهولة وسرعة في الوصول لأي مكان حول العالم، لماذا لا نفكر في ربط خبرات السوريين الموجودين في محافظات أو بلاد أخرى مع المعهد عن طريق قاعة تواصل، وذلك لإتمام دروس في اختصاصات معينة غير متوفرة حالياً ضمن كوادر المعهد أو رفد الكادر التدريسي وبالتالي زيادة القدرة الاستعابية للمعهد، أو إقامة ورشات عمل مع موسيقيين مرموقين.

كلمة أخيرة توجهها لطلاب المعهد وللأهالي الذين يترددون في إرسال أبنائهم لدراسة الموسيقى كمسارٍ جاد؟
كلمة أوجهها للطلاب: نحن نحبكم، وأنتم محظوظون لوجود معهد محمود العجّان في حياتكم الموسيقية، ولو كان موجوداً في أيامنا لكنّا (نحن من نعلمكم) اليوم في مكان ومستوى أعلى بكثير مما ترونا فيه، لا تهملوا التدريب اليومي، أحبوا موسيقاكم، اعزفوا، ولا تخافوا من مشاركة عزفكم معنا عبر كل الوسائل، فالرأي الإيجابي يدعم والسلبي يغني ويفيد ويحفّز، فالموسيقى هي أداتكم الحقيقية في مواجهة المجتمع أينما كنتم.

إرسال تصحيح لـ: الياس سمعان مدير معهد “محمود العجّان”: الموسيقى رسالة محبّة.. والفنان في داخلي هو “المايسترو” لاتخاذ القرار

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *