عمل الإرشاد النفسي في المدارس.. هل هو وظيفة للراتب وهواية أم خيار بمسؤولية واحتراف؟

13 دقيقة للقراءة

الوحدة – وداد ابراهيم

لم تكن تعلم أن طفلها الذي لم يتجاوز  السبع سنوات المفعم بالنشاط والحيوية مع فرط حركة سيسبب لها الضغط النفسي لفشلها بالتعامل معه في ضبط حركته واتساقها مع المحيط، ورغبتها الدفينة بأن تمتلك القدرة للسيطرة عليه وتوجيهه، وكلما ازداد عناده  وترجمت أفعاله تمرده ضارباً بعرض الحائط كل أساليب الترهيب والترغيب ليجلس عاقلاً هادئاً منضبطاً، وينفذ توجيهاتها تفقدها صوابها ،حلقة مفرغة تدور بها معه
في المنزل يحتاج من الأم للانتباه الفائق، وتحسب ألف حساب إذا رافقته بزيارة لأقارب أو أصدقاء، ومن المدرسة تصلها رسائل من معلمته عن فرط حركته وعنفه وتجاهله للأوامر والتعليمات ليصل الأمر إلى تحذير من إصدار قرار بنقله إلى مدرسة ثانية أو فصله من المدرسة نهائياً!

والتساؤل: من سيرشد هذه الأم لطريقة ما أو أسلوب يساعدها للوصول مع طفلها المختلف عن أقرانه إلى بر الأمان لينمو الطفل في بيئة طبيعية واعية بالتعامل مع خصوصية طفل لتتشكل شخصية متوازنة مستقبلاً؟

البحث في الأسباب الجوهرية العميقة من المحيط العائلي والبيئة الاجتماعية، وشخصية الطفل والأم وانعكاس ذلك التفاعل بينهما واقعياً إلى دور المدرسة، وخصوصاً مع وجود الإرشاد النفسي قبل أن نصل إلى الحاجة لمراجعة طبيب نفسي أو معالج سلوكي.

أمام هذه الحالة التي قد لاتكون فريدة من نوعها سنتوقف مع دور الإرشاد الاجتماعي  والنفسي، ومدى تغعيله  في المدارس، وهل هو مجرد وظيفة أم مهنة برسالة لمساعدة الأم؟

تفعيل الإرشاد النفسي والاجتماعي في المدارس بين الواقع والطموح

اختيار مهنة الإرشاد النفسي برغبة حقيقية وشغف، وليس بناء على مجموع علامات تم تحصيلها بالثانوية العامة أو كوظيفة للحصول على الراتب تكشف مدى إمكانية نجاح المرشد النفسي أو الاجتماعي بعمله للاطلاع على واقع الإرشاد النفسي والاجتماعي في المدارس، بدأنا باللقاء مع الدكتورة  دلال عمار رئيس دائرة البحوث والدراسات في مديرية تربية اللاذقية، حيث قالت: أن العمل الإرشادي أخذ مكانه ومكانته في العملية التعليمية التربوية، وأصبح جزءاً أساسياً، وركيزة هامة لها خلال الفترة التي قارب العمل فيها نحو ربع قرن.

وأوضحت د. عمار: بما أن الطالب محور العملية التعليمية التربوية، ومن أجله وجدت هذه العملية، وبما أن نموه وتطوره العلمي والفكري لن يتحقق إلا بالرعاية التي توفرها له التربية، وبدعم كامل من المجتمع، فإن النظام التربوي الحديث يدعو إلى تطبيق برامج منظمة لخدمات التوجيه والإرشاد النفسي في المدارس، ومن أجل تنفيذ وإدارة الأنشطة المختلفة التي تقدم بها هذه الخدمات على الوجه الأكمل يجب أن تدعم بالتسهيلات البشرية والمكانية والمادية اللازمة لها، وإعداد وتدريب القائمين بهذه الخدمات بناء على مايتوفر لديهم من رغبة في الاتجاه نحو مساعدة الطلاب ورعايتهم، لافتة إلى أن من أهم العوامل التي دعت إلى الحاجة إلى المرشد النفسي التربوي هو التقدم العلمي والتكنولوجي، والتغيرات الاجتماعية الناتجة عنه، وتطور التعليم ومفاهيمه، وزيادة مصادر المعرفة، ومشكلات المدرسة الحديثة، والصراع الفكري الذي يعاني منه الإنسان المعاصر.

وأشارت د.عمار إلى أن وزارة التربية أدركت أهمية الإرشاد النفسي والتربوي، وأثره الكبير في العملية التربوية التعليمية، فعمدت إلى تعيين المرشدين النفسيين التربويين في المدارس بتاريخ 2001، وذلك بتكليف حملة الإجازة في التربية وعلم النفس بوظيفة المرشد النفسي التربوي في مدارس التعليم الأساسي الحلقة الثانية والمدارس الثانوية لتبدأ هذه الخدمة بالدخول إلى المدارس السورية، وقد بدأ تعيين المرشدين النفسيين في المدارس الثانوية أولاً في العام الدراسي 2000 /2001 ثم تم نقلها إلى مدارس الحلقة الثانيه من التعليم الأساسي.

وحول عمل المرشد النفسي أوضحت د. عمار: يقوم المرشد النفسي التربوي بمساعدة الطالب على تكوين أنماط سلوكية واجتماعية سوية، وتجاوز المشكلات الأكاديمية، ومساعدته على التغلب على بعض المشكلات السلوكية، وتحقيق الصحة النفسية له، فبالنسبة لمدارس الحلقه الأولى من التعليم الأساسي، فقد تم تغطيته بالمرشدين الاجتماعيين اعتباراً من العام الدراسي 2004 /2005 ليتم توزيع المرشدين الاجتماعيين والنفسيين على مدارس المحافظة ريفاً ومدينة.

ورداً على سؤال، هل يخضع المرشد النفسي لاختبار قبل التعيين ثم تقييم عمله أكدت د. عمار أنه يتم اختيار المرشدين النفسيين والاجتماعيين من خلال مسابقة تعلن عنها وزارة التربية، ويتم قبول المتقدمين بعد النجاح في الاختبار الكتابي، والمقابلة الشفهية وفق المعايير الموضوعة بشروط المسابقة، كما  يتم الاستمرار بتقييم المرشد بعد التعيين وأثناء عمله من خلال بطاقة تقييم مصممة لهذا الغرض، حيث يتم تقييمه من قبل المشرف الأخصائي.

وشددت د. عمار على أنه لا شك أن التعليم الأكاديمي أساسي قبل أي عمل، حيث يحصل من خلاله الطالب على القاعدة العلمية الصحيحة التي تحدد مسار عمله، ولكن ككل التخصصات لاتكفي المعلومات التي يحصل عليها الطالب خلال دراسته الجامعية لممارسة عمل المرشد النفسي أو الاجتماعي في المدارس بشكل ناجح، ولذا يخضع المرشد المعين حديثاً إلى مجموعة من الدورات التدريبية العملية التي تساعده على فهم دور المرشد ومهامه وعلاقته بالطالب والمعلم والإدارة والزملاء والمجتمع المحلي، وتقدم المعلومات والتدريبات اللازمة لنجاحه في عمله الإرشادي بما ينعكس إيجاباً على مصلحة الطالب والعملية التربوية، مبينة أن الإرشاد النفسي كأي تجربة جديدة عانى من بدايات متعثرة لذلك واجه العمل الإرشادي في بداياته صعوبة في تقبله من الكادر التعليمي ومن الأهل ومن الطلاب  بسبب الجهل، والأفكار الخاطئة الشائعة عن كل مايتعلق بالنفس والعمل النفسي والاضطراب النفسي أو السلوكي، إذ سرعان مايتم توجيه التفكير إلى الإصابة العقلية مما استدعى منا بذل جهد كبير لنشر ثقافة الإرشاد وأهميته والدور الإيجابي للمرشد، وأنه يتعامل مع الأسوياء وليس ذوي الاضطراب العقلي والنفسي، وأنه يقدم خدمات كبيرة تساعد الطالب في تكيفه وصحته النفسية وفي تحصيله وتعديل سلوكه لتختتم مشددة على أهمية عمل المرشد النفسي لأنه يتواصل مع إنسان بالجانب النفسي وتعقيداته، وبناء شخصيته الذي لايحتمل التجريب، بينما يتعامل الطبيب مع الجسد وأمراضه بتقديم الدواء للوصول إلى الشفاء أسهل، خصوصاً وأن أغلب أمراضنا الجسدية منشأها نفسي.

من الفكر إلى الفعل

تحدثت المرشدة النفسية صبا قيطازو في مدرسة المتفوقين الثانية في جبلة عن تجربتها مع الإرشاد النفسي، والمستمرة منذ عشرين عاماً بتنسيق مع الإدارة وتواصل مع أولياء الأمور قائلة: العمل في مدرسة المتفوقين ليس فقط وظيفة إرشادية نمارسها ضمن لوائح وخطط ننفذها فقط، بل هي رحلة معرفة ومهنة إنسانية تكشف أبعاداً عميقة لم نكن ندركها عن التفوق وهي العقل، ففي هذه المؤسسة التربوية نكتشف أن التفوق لا يقاس بالعلامات فقط، بل التفوق يتجسد في أسئلة يطرحها الطالب، وفي قلقه المستمر وحساسيته تجاه الأشياء والمواقف وابتكار مسارات جديدة.

وأضافت صبا: في العملية التعليمية نخلط بين التفوق والذكاء، والحقيقة هي أعمق من ذلك، فالمتفوق ليس من يتقن الإجابة عن الاسئلة فقط، بل يخلق الاسئلة قبل أن يبحث عن الإجابة لا يرضى بالمعلومات الواضحة والمألوفة، بل يشعر بأن هناك المزيد، ويسعى لاكتشافه، أما الطالب العادي يكتفي بطريق رسمه يجيب على الأسئلة، ويحفظ ليعبر الامتحانات، ورأت صبا أن التفوق ليس مجرد ذكاء،  فالمتفوق يشعر بأنه أكبر من عمره عقلياً وأصغر من عمره وجدانياً، وهذا التناقض يولد صراعاً مع الذات بين الفهم السريع للواقع، وعجز القلب عن استيعابه.

مهنة تحمل رسالة تدعمها التشاركية من الأطراف المعنية كافة لنجاحها

وكشفت صبا أن الطالب يمكن أن يتفوق بالنقاش مع أستاذه والمرشد النفسي لأنه يناقش بلا حواجز أو خجل، وهذا اعتراف بذكاء هذا الجيل، وارتفاع نسبة الوعي بهذه المرحلة العمرية، وتأثير البيئة الحاضنة له، ودعم الأهل، ودور الكادر الإداري والتدريسي،  وليس لأن الطالب أفضل، بل لأن التعليم لا يجب أن يكون عملية ثابتة، فالمعلم هو مرشد ودافع ومحفز للتعليم، وهذا دليل على نجاح المعلم من وجهة نظري لأنه يفرح لتفوق طلابه، ويفتح آفاقاً جديدة، هنا هو محرك وعي لطلابه.

وأضافت: رغم أن التفوق يميز الطلاب اجتماعياً وتعليمياً، إلا أن حياة المتفوق النفسية مليئة بالتحديات التي نراها دائماً من خلال تجاربنا كمرشدين، حيث نلاحظ أن المتفوق يعاني من مجموعة من المشكلات تترواح بين القلق وغايته من الحياة والخوف من الفشل الذي يصبح أكثر إيلاماً من مجرد الخوف من مجموع درجاته وتحصيله، والخوف من تشوه الصورة التي بنوها عن أنفسهم، وأيضاً هناك عبء ثقيل من الضغوط الأسرية التي لا تقبل بإمكانياته فقط، بل تحاول طلب المزيد منه، وتحول النجاح إلى واجب ثقيل، وأمام الضغوط الدراسية وتنظيم الوقت، فالطالب المتفوق يريد أن يحصل على المعلومات مجتمعة في آن واحد، ويحاول الضغط على نفسه ليرضي الآخرين، وهذه المشكلات بحاجة للإرشاد النفسي، واحتواء الطلاب، وهنا الدور الفعال للمرشد النفسي في بيئة المتفوقين، وهو ضرورة وجودية فهو يتجاوز حل المشكلات السلوكية ليصل إلى مرافقة الطالب في بناء هويته ومساعدته على التصالح مع ذاته قبل التنافس مع الآخرين، مشيرة إلى أن معيار المرشد الناجح امتلاك المرونة والصبر، وقدرة الإصغاء والتواصل الفعال، ودقة الملاحظة، وإحساس الأمان والراحة النفسية للطالب مع الجانب الإنساني، وذلك لمعالجة حالات طبيعية ضمن فترة المراهقة كالانفعال والضغط والقلق والتوتر وغيرها، لكن بوجود حالات متعمقة فيها خلل و اضطراب نفسي نقوم بتحويلها إلى التوجيه الاختصاصي، وهي حالات نادرة جداً في المدرسة.

الإرشاد النفسي بين النظري والتطبيق

وبين الدراسة الأكاديمية، والعمل الميداني، ومصادر الخبرة المتراكمة، ومتابعة دوارت تعمق أشادت صبا بدور رئيسة دائرة البحوث  الدكتورة دلال عمار، والتي منذ لحظة استلامها للدائرة تم تفعيل الإرشاد النفسي، فكان لها دور محوري في نجاح العمل الإرشادي، حيث لم تتعامل مع الإرشاد بوصفه إجراء وهامشاً، بل علماً متجدداً يستند إلى البحث والتقويم والتطور المستمر ،فكان لها دور إنساني وعلمي عميق، حيث آمنت بأن المتفوق ليس مشروع إنجاز فقط، بل مشروع إنسان، وأسهمت في تحويل الإرشاد من عمل فردي إلى ثقافة وعمل جماعي ورؤية بعيدة المدى، فقد جمعت بين عمق العلم ورقي الروح، فكانت إشراقاً يطمئن وتوجيهاً يلهم ودعماً ينهض بالهمم.

شغف مهني يواجه تحديات الواقع

المرشدة كنده تركت دراستها بقسم اللغة الإنكليزية، والتي كانت بناء على رغبة والدها، وانتقلت إلى دراسة علم الاجتماع حباً ورغبة به، ودرست بشغف لتحقيق أحلامها تعرفت على علاقة علم الاجتماع بالسياسة والاقتصاد وبالأخلاق، لكن توقفت عند عدم التوازن بين الجانبين النظري والعملي بالدراسة الأكاديمية حتى في حلقات البحث التي كانت تفتقر للجانب العملي درست لتصبح مرشدة اجتماعية بمهنة سيكون أساسها التواصل، لكن تم تدارك هذا الجانب مع دراستها دبلوم في الدراسات الاجتماعية في جامعة دمشق، وحققت المتعة والفائدة من حيث الزيارات الميدانية للمؤسسات والجمعيات التي هي صلب اختصاصها.

تحقيق مساحة الخصوصية الٱمنة لنجاح المرشد تشع نوراً بوجوه الأطفال

نجحت كنده في مسابقة وزارية ليتم تعيينها لصالح محافظة حلب، وأشارت كنده إلى أنه طوال الأربع سنوات كان يتم التأكيد أن المرشد ابن بيئته لكي يكون على دراية تامة بعادات وتقاليد المجتمع الذي يعمل به، ثم انتقلت إلى محافظة اللاذقية لتتنقل بين ثلاث مدارس، وفي كل واحدة كانت تسعى أن تكون المرشدة التي تحلم، لكن وفي كل مرة تواجه مشكلة، ففي المدرسة الأولى كانت المشكلة مع الإدارة التي كان عندها من الجهل ما يكفي لخلق الكثير من المشاكل والعقبات على الرغم من محاولات مواجهتها، وكذلك في المدرسة الثانية، أما الثالثة الحالية، فهي لا تملك مساحتها الشخصية التي تكسب عملها صفته الأهم، وهي الخصوصية مع العلم أنها كانت مشكلتها في المدارس السابقة، وبالرغم من كل ماسبق من تحديات قالت كنده: أحب الإرشاد وأحب التعامل مع أطفالي، والنظر إلى عيونهم أحب عندما أبدأ بالحديث مع طفل واجه مشكله ما نغصت عليه يومه، وكيف ينتهي بنا الحديث بابتسامة رضا.

وأضافت: طرحت مع أطفالي مواضيع عامة كثيرة كالاحترام وتقدير الذات والثقة بالنفس والصدق والأمانة والتعاون والتنمر وأثر الكلمة، ومواضيع أكثر خصوصية كالمراهقة واللمسة الآمنة، وأن اختلافنا أساس المجتمع ، أحب الدخول إلى قلوب أطفالي، وأن أمسك بيدهم لأساعدهم للوقوف في مكان يشعون نوراً فيه.

شغف المرشدة كنده يثمر بتجاوز الوظيفة إلى مهنة برسالة

بمتابعة حالة الأم كشفت لي عن تطورات إيجابية بشخصية طفلها بعد زيارتها لمدرسته، وتواصلها مع المرشدة النفسية كندة، والتنسيق والمتابعة معها، ولاحظت استجابة الطفل بتفاعل إيجابي تظهر نتائجه تدريجياً لتثبت المرشدة كندة أن ممارسة مهنة تحمل رسالة بشغف لابد أن تثمر عسى أن تنتشر ثقافة دعم المرشد بتوفير احتياجاته ليترجم شغفه عملياً لا قتله بوضع العصي في الدواليب.

إرسال تصحيح لـ: عمل الإرشاد النفسي في المدارس.. هل هو وظيفة للراتب وهواية أم خيار بمسؤولية واحتراف؟

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *