بقلم رئيس التحرير: محمود الرسلان
في الوقت الذي تحظى فيه خطوات وقف إطلاق النار والتفاهم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” بترحيب دولي واسع، يثير إصرار وتعنت بعض الجهات وعلى رأسها الهجري في السويداء، تساؤلاً كبيراً لدى جميع الشرائح التي تشاهد مدى تطور مستوى الخدمات المقدمة في المناطق السورية على امتدادها، وما يثير تساؤلاً أكبر هو ما يسببه تعنته من أذى لأهالي المحافظة، وما يترتب عليه من تعطيل لمسارات كان يمكن أن تفتح نوافذ حقيقية نحو مصلحة الأهالي في السويداء، وفي مقدمتها التعليم والصحة وغيرها، وتخفف من حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المواطنون في ظل تعدٍّ يومي من قوات “الحرس الوطني” على من يحاول إيجاد حل، وكان آخرها اقتحام تلك الميليشيا لمؤتمر عقده وجهاء من أجل الحل، حيث كُسّرت عظام بعض المؤتمرين.
المشهد السوري في هذه المرحلة بالغ الوضوح، فالمجتمع الدولي بمؤسساته ودوله المؤثرة بات يبحث عن أي خطوة عملية تقلل من منسوب العنف، وتعيد الاعتبار للحلول السياسية، وقد جاء الترحيب الواسع بالاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية ليعكس هذه الرغبة، حيث شددت مواقف بعض الدول العربية والاتحاد الأوروبي وهولندا وسويسرا والنرويج واليابان وإسبانيا وبريطانيا وإيطاليا على أهمية وقف إطلاق النار وحماية المدنيين وعودة النازحين وضمان الحقوق والحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها.
هذا الإجماع الدولي الذي عُبر عنه عبر تصريحات أو تغريدات لمسؤولين رفيعي المستوى على منصة(X) لا يمكن تجاهله أو التقليل من دلالاته؛ لأنه يرسل رسالة واضحة مفادها أن طريق الاستقرار يمرّ عبر التفاهم مع الحكومة السورية لا عبر التصعيد والمطالبات بالتقسيم أو بالفيدراليات، ففي الوقت الذي تفتح فيه مثل هذه الاتفاقيات المجال أمام دخول المساعدات الإنسانية وإعادة تفعيل المؤسسات وتحسين الواقع الأمني والمعيشي يصرّ بعض من يمتلكون سلاحاً لم يوجهوه على الأسد الفار يوماً على تبني خطاب متصلب يعزل مناطقهم ويؤخر جامعات طلابهم وعلاج مرضاهم.
السويداء والشعب فيها محتجز من قبل ميليشيا لا يهمها إن تخرج الطلاب ولا إن شفي الجرحى، ميليشيا تبحث عن سلطة ولو على حساب معاناة المكون الدرزي الكريم والذي لطالما سعى في عقود مضت إلى وحدة البلاد ضد مشاريع وأفكار دعت للتقسيم.
ما يعانيه الشعب في مناطق سيطرة ما يسمى بـ “الحرس الوطني” من تدهور اقتصادي وضعف في الخدمات، وقلق أمني هو جزء من أزمة وطنية شاملة تؤلم كل سوري، وإن مكامن الخطر هو أن يتحول هذا الواقع الصعب إلى مادة للمزاودة السياسية أو ورقة ضغط تُستخدم دون اكتراث بالكلفة التي يدفعها الناس.
إن التمسك بمواقف منغلقة ورفض أي مسار حواري هو عبء إضافي على مجتمع منهك، فالعقلانية السياسية اليوم تفرض قراءة المتغيرات بواقعية والاستفادة من أي مسار يخفف المعاناة.
مما لا شك فيه أيضاً أن من حمل السلاح ضد الدولة في سوريا بعد التحرير، يحاول خلق فوضى يتوهم فيها أن تنسى الدولة ما فعله إبان حكم الأسد الفار، سواء كان يندرج تحت فلول النظام أو متزعمين آووا فلول النظام ومدوهم بالسلاح.
التاريخ السوري القريب يثبت أن أكثر من خسروا هم أولئك الذين فوتوا فرص الوحدة وراهنوا على التعطيل والمكابرة وبعض فتات من المال يرميه لهم هذا وذاك.
لذلك فإن العتب هنا تعبير عن وجع عام وعن رغبة صادقة بأن تكون المصلحة العامة فوق كل اعتبار، فالعالم اليوم يشير بوضوح إلى طريق واحد متاح، عنوانه سوريا واحدة موحدة لكلّ أبنائها بكل أطيافهم ومكوناتهم.


