الوحدة – رنا ياسين غانم
مع التغيرات البيئية والمناخية نشهد وجود حيوانات دخيلة على بيئتنا يمكن أن تقلب الموازين البيئية، وهذا مالاحظناه بوجود طائر المينا الهندي الذي يتميز بعدائيته وسرعة تكاثره، فهو ليس مجرد طائر زينة، بل يشكل تهديداً حقيقياً للبيئة التي يتواجد فيها، شق هذا الطائر طريقه مستفيداً من قدرته الفائقة على التكيف ليزاحم الطيور المحلية ويخل بالتوازن البيئي، وفي هذا السياق، التقت جريدة الوحدة مع الدكتور ماهر ديوب من وحدة البحث البيئي مسؤول الطيور في مديرية الزراعة الذي أكد الضرر الذي يسببه هذا الطائر وضرورة التعامل معه على أنه آفة.
الوافد غير المرغوب فيه
قال الدكتور ماهر في البداية يعتبر طائر المينا الهندي من الأنواع الغازية التي تشكل تهديداً بيئياً في العديد من المناطق حول العالم، موطنه الأصلي هو آسيا وتحديداً جنوب آسيا (مثل الهند، نيبال، سريلانكا، إندونيسيا)، وقد وصل طائر المينا الهندي إلى الساحل السوري كنوع دخيل، حيث ترجح بعض المصادر أن وصوله كان نتيجة الاستيراد التجاري لغايات الزينة (لجماله وقدرته على تقليد الأصوات) ثم هروبه أو إطلاقه عمداً في البيئة، مما ساهم في انتشاره، كما يمكن أن يكون قد وصل عبر السفن أو وسائل نقل أخرى، وهو طائر متكيف للغاية ويمكنه العيش في بيئات متنوعة، لكنه يفضل بشكل خاص البيئات الحضرية وشبه الحضرية (المدن والضواحي) حيث يجد وفرة من الطعام (بقايا الطعام، القمامة) ومواقع تعشيش آمنة في المباني والحدائق والمنتزهات، أيضاً يتواجد بكثرة في المناطق الزراعية حيث يتوفر الغذاء من المحاصيل والحشرات، وكذلك في الغابات المفتوحة وهي موطنه الأصلي ولكنه يتكيف بشكل جيد مع البيئات التي تتأثر بالنشاط البشري.
ويعرف طائر المينا الهندي بقدرته العالية على التكاثر، حيث تضع طيور المينا عادةً حضنتين في السنة الواحدة، وتتراوح أعداد البيض في المرة الواحدة ما بين اثنين إلى خمس بيضات، ويستمر موسم التكاثر عادةً في الفترة ما بين نيسان وتموز في موطنه الأصلي، ولكن يمكن أن يتأثر هذا الموسم بالظروف البيئية في المناطق التي يستوطنها، وفي ظل ظروف مناخ سوريا، تكيف الطائر مع البيئة الجديدة ليحافظ على قدرته التكاثرية العالية.
طائر يهدد الطيور المحلية
وأضاف الدكتور ماهر يعرف طائر المينا الهندي بعدوانيته الشديدة وقدرته على طرد الأنواع المحلية ومهاجمتها، إذ يصنف كواحد من أخطر ثلاثة طيور إضراراً بالبيئة عالمياً، فهو يطرد الطيور المحلية من مواقع التعشيش، ويحتل أعشاشها، ويهاجم صغارها وبيضها، ومن الأنواع المحلية التي تتأثر بوجوده الدوري، اليمام والبلابل، أي الطيور الأصغر حجماً أو تلك التي تتنافس معه على الموارد ذاتها ومواقع التعشيش.
وقد تم توثيق تراجع في أعداد الطيور المحلية في العديد من المناطق التي غزاها طائر المينا الهندي حول العالم (مثل أستراليا وبعض دول الخليج) نتيجة للمنافسة الشرسة على الموارد ومواقع التعشيش، وافتراس البيض والصغار، وفي عمان، على سبيل المثال لوحظ تناقص في أعداد الغراب المحلي بعد استيطان المينا.
ونوه أيوب إلى أن هذا الطائر يشكل خطراً كبيراً على الطيور الصغيرة لأنه يهاجم أعشاشها ويأكل بيضها وفراخها، وعلى الزواحف حيث يمكن أن يتغذى على صغار الزواحف، كما يشكل خطراً على الحشرات النافعة فلى الرغم من أنه يتغذى على الحشرات، إلا أن ضرره على النظام البيئي أكبر من نفعه، فهو يتنافس مع الأنواع المحلية التي تتغذى على الحشرات، وقد يؤدي إلى انقراض أنواع معينة من الحشرات النافعة (مثل بعض أنواع النحل) بسبب افتراسها أو المنافسة عليها.
طائر المينا يثقل كاهل المزارعين
أما فيما يخص تغذيته على المحاصيل الزراعية فإن طائر المينا الهندي يصنف ضمن المجموعة الوظيفية “غير المتخصصة Omnivore”، ويتغذى على مجموعة واسعة من الموارد، ويشمل نظامه الغذائي الثمار، البذور، الحشرات، الديدان، وحتى بقايا الطعام البشري.
ويهاجم المحاصيل الزراعية بشكل عام، خاصة الثمار والخضروات والبذور، وتشير المصادر إلى أن طائر المينا الهندي يهدد البيئة في الساحل اللبناني والسوري، ويسبب خسائر مادية للمزارعين بسبب تغذيه على الثمار والبذور ومع أنه لا توجد أرقام دقيقة متاحة بسهولة عن حجم هذه الأضرار في الساحل السوري واللبناني، إلا أن وجوده بأعداد كبيرة (لا توجد دراسات دقيقة لعدد الجماعات وتوزعها) وتصنيفه كآفة عالمية يعني أن الأضرار الاقتصادية على الزراعة أمر متوقع وواقعي.
ونوه إلى أنه من المرجح أن تكون المحاصيل التي تنتج ثماراً حلوة أو بذوراً يسهل الوصول إليها أكثر عرضة للهجوم مثل الكرز، العنب والتين بالإضافة إلى أي محاصيل أخرى من الثمار أو الحبوب.
استراتيجيات المكافحة
أكد الدكتور ماهر أن هناك استراتيجيات مختلفة تطبق في أماكن أخرى للحد من أعداد طائر المينا الهندي، وتشمل المكافحة المباشرة مثل اصطياد الطيور (كما يحدث في قطر حيث تم اصطياد آلاف الطيور)، وإزالة الأعشاش وتدميرها بالإضافة إلى البيض والفراخ للحد من التكاثر، أيضاً تعديل البيئة وجعل البيئة الحضرية أقل جاذبية له، مثل إغلاق الفتحات في المباني التي يستخدمها للتعشيش، وحملات التوعية لتوعية المجتمع بأضرار الطائر وأهمية الإبلاغ عن أماكن انتشاره، أخيراً البحث العلمي لدراسة سلوكه وإيجاد طرق مكافحة أكثر فعالية.

التحديات والحلول المستدامة
أشار الدكتور ماهر أن تقييد انتشار الأنواع الغازية دون الإخلال بتوازن الطبيعة هو تحدٍ كبير، فالأساليب البيئية المستدامة تركز على إدارة الموائل وتعديلها لتقليل جاذبيتها للمينا وزيادة جاذبيتها للأنواع المحلية، وتعزيز الأنواع المحلية ودعم تكاثر وانتشار الطيور المحلية المفترسة أو المنافسة للمينا، كذلك المكافحة البيولوجية والبحث عن مفترسات طبيعية تؤثر على المينا فقط (وهو أمر معقد ويحتاج لدراسات دقيقة لتجنب الآثار الجانبية)، المراقبة المستمرة لتحديد البؤر الجديدة للانتشار والتدخل السريع، وذلك بهدف تقليل أعداد المينا إلى مستوى لا يُشكل فيه تهديداً كبيراً، وليس بالضرورة القضاء عليه تماماً، مع الحفاظ على سلامة النظام البيئي.
دور الجهات المعنية
أخيراً يقع على عاتق الجهات البيئية والزراعية دور حاسم في رصد ومراقبة انتشار أعداد طائر المينا الهندي وتحديد المناطق الأكثر تضرراً، ووضع استراتيجيات لتطوير خطط وطنية أو إقليمية لمكافحة هذا النوع الغازي وإدارته، بالإضافة إلى العمل المشترك بين وزارات الزراعة والبيئة والبلديات والجمعيات ذات الصلة والجامعات، وإطلاق حملات توعية للمزارعين والناس حول مخاطر الطائر وكيفية التعامل معه، ودعم الأبحاث العلمية لفهم سلوك الطائر وتأثيراته وطرق مكافحته الفعالة والمستدامة، كذلك تنفيذ برامج المكافحة المباشرة وغير المباشرة، مثل إزالة الأعشاش أو استخدام المصائد، ووضع سياسات لمنع إدخال أنواع غازية جديدة في المستقبل، خاصةً عن طريق مربي طيور الزينة.
نوه ديوب أن الإجابات نتيجة بحث مرجعي وليست نتيجة دراسة تم تنفيذها من قبل مؤسسات حكومية أو جمعيات بيئية أو باحثون في سورية.


