الوحدة- ريم جبيلي
بين زرقة البحر وعمق الكلمة في قوافيها، استطاعت الشاعرة السورية هويدا مصطفى أن تحجز لنفسها مكاناً مرموقاً في المشهد الثقافي المعاصر. هي ليست مجرد كاتبة تصف الرؤى، بل هي مغزولةٌ من طين الأرض ووجع الذاكرة، تحول القصيدة إلى ملاذٍ آمن في زمن الصخب، وتعيد صياغة الحنين بمدادٍ من صدق. في قصائدها، يمتزج عبق الجبل السوري بروح الحداثة، لتنتج نصاً يشبهها في رقتها وعنفوانها. نلتقي اليوم بالشاعرة هويدا مصطفى لنبحر في عالمها الإبداعي، ونستجلي أسرار تلك القصائد التي تأبى إلا أن تترك أثراً في الوجدان..
لكل شاعر لحظة تنوير أولى اكتشف فيها سطوة الحرف. كيف كانت البدايات مع القصيدة في ذاكرة هويدا مصطفى؟
لم تكن البداية سوى أحلام طفولية رسمتها على أبواب التأمل، وأنا أنثر الورد على حواف الذاكرة الممتلئة بصور جعلت مني لغة تكتبني دونما قيود، وتأخذني حيث النور. فكانت بداية البوح على أوراق طفولتي بعمر العشر سنوات، وتلك الخربشات التي ما زالت موجودة بدفاتري وذاكرة معلمتي، حين كنت أكسر دقات الوقت وأمضي، أوقع وجودي من خلال حرفي. فأنا بنت الطبيعة والأرض التي زرعت بداخلي قصة أنثى ما زالت تتعلم كيف تنسج حكايتها بدروب الزمن.
من هم الملهمون الأوائل أو الأدباء الذين وضعوا بصماتهم على ذائقتك الأدبية في مرحلة التكوين؟
الحياة هي أول خطوة على دروب النور، حين كتبت أول خربشاتي الطفولية وبدأت البحث عن عالم الأدب. حينها بدأت أفتش عن نفسي من خلال القراءة لبعض الأدباء مثل جبران خليل جبران، والماغوط، والمتنبي. وصقلت موهبتي برؤيتي الفلسفية وعمق المعنى الوجودي من خلال البحث الدائم عن مكامن الإبداع. أول بصمة زرعها في عالمي الشاعر أحمد علي حسن -رحمه الله- حين قرأ لي نصاً وأعجب بموهبتي. وأيضاً الشاعر محمد حمدان -رحمه الله- كان له الأثر الكبير في وجودي ودعمي على الساحة الأدبية من خلال مشاركتي بنشاطات متعددة، والكثير ممن وجدوا في حروفي طريقاً لا يتسع لحدود.
هل القصيدة عند هويدا مصطفى هي ابنة اللحظة والمصادفة، أم أنها نتاج مخاض فكري طويل وهدوء وتأمل؟
أنا لا أكتب القصيدة، بل القصيدة هي من تكتبني. ربما في لحظة عابرة وأنا وسط الزحام يخطر ببالي الكتابة، وكثيراً ما تحدث معي وأخاف من ضياع الكلمات في لحظتها، فأكتبها دونما تردد، لأنني أعتبر أجمل لحظات الإبداع تلك التي تأتي دونما موعد مسبق. أعيش الواقع والحزن يستوطن ذاكرتي، لذلك أرسم ملامح نصي كلوحة بيد رسام.
الوطن في شعرك ليس مجرد جغرافيا، بل هو انتماء.. كيف انعكس ذلك على مفرداتك وصورك الشعرية؟
الوطن هو امتداد الروح في جسد القصيدة. أعيش تفاصيله وأتنفس من عطر ترابه، وكل الظروف التي نعيشها تنعكس على نصي الشعري. فكتبت:
مجد الشآم سنا شمسي وأقماري
والورد بوح دمي والشعر قيثاري
غنيت مجدك يا فيحاء فانسكبت
مواسم العطر في شدوي وأوتاري
غنيت مجدك يا شام العلا نغماً
وصنت مجدك في علياء أفكاري
بصفتك شاعرة، كيف تخدم القصيدة قضايا المرأة؟ وهل تؤمنين بوجود “أدب نسوي”؟
برأيي، ليس هناك أدب نسوي منفصل عن أدب الرجل. هذا الموضوع أثار ضجة واختلفت الآراء حوله. وأنا أقول إن المرأة بطبيعتها الأنثوية وحسها المرهف قادرة على التعبير أكثر من خلال طرح قضايا المرأة، كونها تعيش الحالة سواء الظلم أو الحزن أو الأمومة. فنجد أن المرأة تكتب همومها وعواطفها تجاه الرجل والمجتمع، وهذا يخدم قضايا المرأة، ولكنه لا يفرق بين الأدب مهما كان نوعه.
من خلال مشاركتك الدائمة في نشاطات ومهرجانات أدبية، كيف تقيمين واقع المنابر الثقافية في سوريا اليوم؟ وهل تؤدي دورها المطلوب في دعم المبدعين؟
الواقع الثقافي بشكل عام، ورغم كل الظروف، ما زال بخير، وما زالت النشاطات الثقافية والندوات مستمرة، وهذا يدل على الوعي الثقافي والفكري لدى المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي. من خلال مشاركتي ومتابعتي لمعظم النشاطات، أجد أن هناك اهتماماً كبيراً بالحركة الثقافية، من خلال تشجيع المواهب.
هل عملك الإعلامي فتح لك آفاقاً في عالم الإبداع؟
عملي في الإعلام هو مسيرة إبداع مكملة لمسيرتي الأدبية. ربما وجدت الدعم والاهتمام والانتشار من خلال وجودي في العمل الصحفي. وخصوصاً عند إقامتي لحفل توقيع مجموعتي الشعرية الأخيرة “مرايا البحر”، فتح أبواب الانتشار بدول أخرى.
كيف تتعامل هويدا مصطفى مع النقد؟
النقد بالنسبة لي توءم القصيدة، وخصوصاً النقد البنّاء الذي يرمم الثغرات والمطبات، وينهض بالعمل الأدبي للضوء من خلال الملاحظات سواء سلبية أو إيجابية. خلال مسيرتي الأدبية، تناول الكثير من النقاد أعمالي بطرق مختلفة، وحقيقة، نحتاج النقد البنّاء وليس المجاملات.
ما الذي يخبئه “الديوان القادم” لهويدا مصطفى من مفاجآت أو تحولات فنية؟
سيكون ديواني القادم هو بصمتي التي تزرعني بين أنامل الفجر، ولغتي التي تأخذني للبحث في متاهات الوجود. حالياً أعمل على إنجاز جديد سيرى النور في وقته.
نصيحة تقدمينها للأجيال الشابة التي تتحسس طريقها الأول في عالم الكتابة والإبداع وسط هذا الضجيج العالمي؟
الموهبة الحقيقية تحتاج إلى صقل ومعرفة، وذلك من خلال القراءة بكل مجالات الحياة وليس الشعر فقط. فمن يمتلك ناصية الحرف، عليه أن يكمل الدرب برسالة تتعطر برؤية إبداعية يخطها اسم في البداية والنهاية.



