الوحدة – ريم جبيلي
لا يمكن الحديث عن مدينة اللاذقية دون استحضار عمقها الحضاري الذي يمتد إلى أبجدية أوغاريت الأولى. وفي العصر الحديث، تجسّد هذا الإرث الثقافي في مؤسسات رصينة، يأتي في مقدمتها فرع اتحاد الكتّاب العرب، الذي لم يكن يوماً مجرد مقر إداري، بل تحول إلى منارة فكرية وحاضنة حقيقية للإبداع الإنساني، تجمع بين أبجدية الحرف وصفاء الفكر.
تأسّس فرع اتحاد الكتّاب العرب في اللاذقية ليكون صلة الوصل بين جيل الرواد الذين وضعوا مداميك الأدب السوري الحديث، وبين الأجيال الشابة الطامحة للتجديد. ومنذ لحظاته الأولى، ضمّ الفرع نخبة من القامات الأدبية في الشعر والقصة والنقد والأدب والفكر، ممن تركوا بصمات لا تُمحى في المكتبة العربية. هذا التراكم المعرفي جعل من الفرع مرجعية ثقافية لا يُستهان بها.
المشهد الثقافي.. حراك لا يعرف السكون
يشهد مقر الاتحاد في اللاذقية نشاطاً مكثفاً، حيث تتنوع الفعاليات لتشمل كافة الأجناس الأدبية وبخاصة الشعرية، التي تُعد طقساً أساسياً في حياة المدينة، حيث يمتزج فيها الشعر العمودي بأحدث تجارب قصيدة النثر، مما يخلق حالة من التثاقف والحوار بين المدارس المختلفة.
كما تُعقد فيه الندوات النقدية، حيث يولي الفرع أهمية قصوى للنقد الأدبي، إيماناً منه بأن الإبداع لا يكتمل دون “مرآة” نقدية تضيء جوانبه. لذا، تُقام ندوات دورية لمناقشة كل جديد، بحضور نخبة من الأكاديميين والمثقفين.
كذلك يحتضن فرع اتحاد الكتّاب مهرجانات القصة والرواية نظراً لما تتمتع به اللاذقية من بيئة خصبة للسرد، حيث ينظم الفرع مهرجانات دورية للاحتفاء بفن القصة، مستقطباً كبار الروائيين وكاتبي القصص السوريين والعرب.
ومن أبرز الأدوار التي يلعبها فرع اللاذقية دوره تجاه المواهب الشابة، فالفرع يفتح أبوابه للأدباء الناشئين والموهوبين.. هذه الخطوات تهدف إلى حماية الهوية الثقافية، وتدريب الشباب على أدوات الكتابة الحقيقية، وتمكينهم من الوقوف على المنابر بثقة، مما يضمن استمرارية التدفق الإبداعي عبر الأجيال.
الثقافة في مواجهة التحديات
رغم كل الظروف الصعبة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، بقي فرع اتحاد الكتّاب في اللاذقية صامداً كقلاعها الأثرية. لقد استطاع المثقفون من خلاله تكريس “ثقافة الحياة”، محولين الندوات إلى مساحات للبوح الفكري والبحث عن حلول للقضايا المعاصرة. كما ساهم الفرع في تعزيز الوعي الإنساني، مؤكداً أن الكلمة هي الخط الدفاعي الأول عن قيم الحق والجمال.
هذا، ولا يعمل الفرع في جزيرة معزولة، بل ينسج خيوط التعاون مع المراكز الثقافية، والجمعيات الأهلية. هذا التشبيك الثقافي أدى إلى خلق مناخ تفاعلي يصل فيه الأدب إلى كل مريديه، مما يكسر الحاجز بين النخبوية الأدبية والجمهور العام.
رؤية مستقبلية نحو أدب رقمي
ويتطلع فرع اتحاد الكتّاب باللاذقية اليوم إلى مواكبة العصر الرقمي، من خلال خطط تهدف إلى تفعيل التواصل الاجتماعي مع مختلف شرائح المجتمع، لتعريف العالم بجمالية وخصوصية الأدب القادم من عروس المتوسط اللاذقية.
إن فرع اتحاد الكتّاب العرب في اللاذقية هو أكثر من مجرد مؤسسة، إنه روح المدينة المبدعة، وملاذ المثقفين الذين آمنوا بأن الحبر أقوى من النسيان، وسيظل هذا الفرع، بجهود القائمين عليه وأعضائه، شمعة مضيئة تنير دروب الفكر والأدب، وتؤكد أن اللاذقية كانت وستبقى ولّادة للإبداع والمبدعين.


