الوحدة – بثينة منى
لا يمكن توصيف سوريا عبر التاريخ إلا كونها لوحة فسيفساء فريدة، لا تكتمل قيمتها الجمالية بنقصان أي حجر من أحجارها، ولا تستقيم صورتها إلا بتراص مكوناتها، اليوم ونحن نمر في مخاض استعادة التعافي، يبدو السلم الأهلي هو ضرورة وجودية تتطلب منا جميعاً على اختلاف طوائفنا، أن نكون حراساً لهذا النسيج الذي حاول الكثيرون تمزيقه.
إن الدور المنوط بكل طائفة ومكون في سوريا أن يتجاوز حدود الطقوس والخصوصيات ليتصل بجوهر المواطنة، فالدين في جوهره وبكافة تجلياته في أرضنا، كان دوماً جسراً للمحبة لا جداراً للعزل، والمطلوب اليوم هو تفعيل هذا الدور الروحي والاجتماعي لتحويل التنوع من ثغرة يحاول البعض النفاذ منها، إلى حصن يلوذ به الجميع.
ردم الهوة بين المكونات يبدأ من القواعد الشعبية، من فكرة الجيرة السورية الأصيلة، ومن استعادة الذاكرة المشتركة التي لم تكن تسأل عن مذهب أو طائفة حين يتعلق الأمر بوجع الوطن أو فرحه، إن تعزيز السلم الأهلي يتطلب شجاعة أخلاقية في الاعتراف بالآخر، وفي البحث عن المساحات البيضاء المشتركة التي تجمعنا تحت سقف الهوية الوطنية السورية.
المشتركات في وطننا كثيرة، تبدأ من وحدة المصير، وتمر عبر رائحة الأرض التي لا تفرق بين عرق وآخر، وصولاً إلى حلم الإعمار الذي لن تنهض لبناته إلا بأيدٍ متشابكة، إن الطوائف في سوريا ليست جزراً معزولة، بل هي روافد تصب جميعها في نهر الهوية السورية.
إن مسؤوليتنا اليوم، كأفراد ومؤسسات ونخب فكرية ودينية، هي تكريس لغة “نحن” بدلاً من “هم”، والتركيز على أن ما يجمعنا كشركاء في هذا التراب أعمق بكثير مما قد يفرقنا، السلم الأهلي هو العقد الاجتماعي الذي نوقعه كل يوم بسلامنا على جارنا، وبحرصنا على مصلحة أخينا في الوطن، وبيقيننا أن سوريا هي الوطن الذي يتسع للجميع، وبكل الجميع.
إن ردم الفجوات لا يحتاج إلى معجزات، بل يحتاج إلى إنسان سوري يؤمن بأن قوته في تنوعه، وأن أمانه في أمان جاره، وأن مستقبله لن يُبنى إلا على قاعدة المشترك الوطني الأكبر.. سوريا أولاً، وسوريا دائماً.


