الوحدة- تمام ضاهر
أكد خبير السياسات الاقتصادية وأستاذ العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية الدكتور ذو الفقار عبود أن زيارة نائب رئيس مجلس الوزراء الأردني ووزير الخارجية أيمن الصفدي إلى العاصمة السورية دمشق شكلت تحولاً نوعياً في العلاقات الثنائية بين سوريا والأردن، وأنها تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون تتجاوز الأطر التقليدية نحو شراكة استراتيجية قائمة على المصالح المشتركة.
وأشار عبود في تصريح خاص لـ “الوحدة” إلى أن مشروع الربط السككي بين سوريا والأردن يتصدر ملفات هذه الزيارة، ويعدُّ حلقة وصل محورية في شبكة النقل الإقليمية الطموحة، لافتاً إلى أن تأهيل وربط خطوط السكك الحديدية بين البلدين ليس مجرد مشروع وطني ثنائي، بل هو جزء من رؤية متكاملة لإنشاء ممر نقل استراتيجي يربط بين أوروبا وآسيا.
وأوضح عبود أن موقع سوريا الجغرافي يشكّل أهمية استثنائية في هذا المشروع، حيث ستتحول سوريا إلى شريان رئيسي في سلاسل التوريد الإقليمية، وأن السكك الحديدية الممتدة عبر الأراضي السورية ستربط شمالاً خطوط النقل مع تركيا، ومنها إلى أوروبا عبر ممرات التجارة الدولية، ثم جنوباً نحو دول الخليج العربي عبر الأردن، ما سوف يخلق حلقة وصل حيوية بين الموانئ الخليجية والأسواق الأوروبية.
وضمن هذا السياق، اعتبر عبود أن إعادة إحياء خط الحديد الحجازي التاريخي يشكل عنصراً جوهرياً في المشروع، وأن هذا الخط الذي شُيد في بداية القرن العشرين، ويمتد من دمشق إلى المدينة المنورة يحمل إرثاً حضارياً كبيراً، وأن إعادة تأهيله ستعيد للأردن وسوريا دورهما كمركزين لوجستيين رئيسيين، وستوفر منفذاً برياً مهماً للحجاج والتجارة.
وبيّن عبود أن زيارة الصفدي تعكس فهماً مشتركاً لأهمية تجاوز الخلافات السياسية السابقة لصالح بناء شراكة تقوم على الأمن الاقتصادي، وذلك من خلال تحقيق تنمية مشتركة من خلال مشاريع بنية تحتية كبرى، فضلاً عن التكامل الإقليمي من خلال خلق سوق إقليمية متكاملة تسهل حركة البضائع والأفراد وصولاً إلى الاستقرار والتنمية عبر تعزيز الاستقرار، وتوفير فرص عمل ومشاريع تنموية ملموسة، مشيراً إلى أن هذه الشراكة تصبُّ في مشروع إعادة الإعمار، وتفتح المجال أمام مشاركة أردنية فاعلة في إعادة إعمار سوريا.
من جانب آخر لفت عبود إلى أن المشروع قد يواجه تحديات رغم الآفاق الواعدة أبرزها الحاجة إلى تمويل كبير، وإعادة تأهيل بنية تحتية متضررة، وضمان الاستقرار الأمني على طول خطوط السكك الحديدية، وأنه ورغم ذلك تبدو كل الفرص متاحة، وخاصة مع الانفتاح العربي المتزايد على دمشق، وهو الأمر الذي يجعل من هذا المشروع أولوية استراتيجية لدول المنطقة.
وأوضح عبود أن مشروع السكة الحديدية الإقليمي الذي تم الاتفاق عليه في نيسان 2026 بين الأردن والسعودية وسوريا يرتبط بشبكة سعودية بطول 5500 كيلومتر، إلى جانب مشروع سكة حديد العقبة بقيمة 2.3 مليار دولار، والذي سيرتبط لاحقاً بهذا الممر الإقليمي، إضافة إلى إعادة تأهيل خط سكة حديد الحجاز وتركيا، وذلك بالتعاون مع الأردن وسوريا، وستقوم بتمويل إعادة بناء 30 كيلومتراً من البنية التحتية للسكة في الأراضي السورية بتكلفة تقدر بنحو 120 مليون دولار .
وكشف عبود أن لغة الأرقام تعكس حجم النشاط الاقتصادي الفعلي بين سوريا والأردن نتيجة تحسن العلاقات، وتنفيذ الاتفاقيات وأن هناك قفزة في الصادرات الأردنية، حيث ارتفعت قيمة الصادرات الأردنية إلى سوريا خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 بنسبة 383.3% لتصل إلى حوالي 217.5 مليون دولار، مقارنة بـ 45 مليون دولار في نفس الفترة من عام 2024، وأن هذا الأمر يقابله نمو الاستيراد من سوريا، حيث زادت واردات الأردن من سوريا خلال نفس الفترة إلى حوالي 90 مليون دولار، مسجلة نمواً بنسبة 71.4%، موضحاً أن حجم التبادل التجاري الإجمالي بلغ بين البلدين نحو 330 مليون دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، مقارنة بـ 97.5 مليون دولار في 2024.
واختتم الدكتور عبود تصريحه بقوله إن زيارة الصفدي إلى دمشق تحمل رسالة واضحة مضمونها يتصل بالمستقبل الاقتصادي للمنطقة، والذي يتطلب تجاوز مرحلة الجمود السياسي نحو شراكات عملية تعيد تفعيل المشاريع الكبرى التي تخدم المصالح المشتركة، مؤكداً أن إحياء خط الحديد الحجازي ومشروع الربط السككي بين الأردن وسوريا ليس مجرد أعمال إنشاء، بل هو إعادة رسم لخريطة النقل والتجارة في الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي يضع سوريا مجدداً في قلب شبكة التبادل التجاري بين أوروبا والخليج.


