الوحدة – خديجة معلا
ليست الوحيدة لكنها الأجمل، والأفضل، للفعاليات والأطفال لأنها شبه شاملة، فيها ملعب مسور بشباك معدنية، وألعاب أطفال متنوعة من سن السنة حتى العشر سنوات، يقصدها الناس من مختلف المشارب والأجناس، إن أراد الزائر الفيء والظل، فأشجارها وارفة، وإن قصد الراحة، فتصميمها ببركتي مياه وقنطرة، تأنس العين للماء والخضرة والوجه الحسن، تناغم الألوان الأزرق والأحمر والأخضر والأصفر، يعكس فناً جميلاً لم نره من قبل إلا في حديقة الأماكن في حي الزراعة.
تبعث في النفس الطمأنينة، شمسها دافئة، وهواؤها عليل، إنها مناسبة للعائلة، هي “ميني منتجع” على ما قسم، كما يقولون في العامية، يليق بهذه الحديقة الجمال كونها من أقدم حدائق اللاذقية أولاً، ولأنها تتوسط موقعاً تجارياً شعبياً يستحق رئة تنظفه من الشوائب، كسوقي أوغاريت والمستعمل المتاخمين.
على غير العادة، وقبل إعادة تأهيلها منذ أكثر من عام، كانت الرياح تصفر في جنباتها، قمامة وروائح نتنة، أشجار مشرئبة متمردة على ما حولها، مقاعد مكسرة، أرضها جرداء، وأعشابها يابسة.
قصدناها في يوم ربيعي، كانت الشمس ترسل أشعتها إلى كل مكان فيها كانت مكتظة: نساء، أطفال، كبار سن، كل في محرابه يفرغ شحنات النفس التعبة من هموم الحياة، وكأنه يفضفض بنظراته التأملية عن أسراره الداخلية لأشجارها وأزهارها.
أميرة يونس شابة عشرينية، تركض وراء صغيرها وهو يحبو في المشي على ممراتها المبلطة، يقع فيقع وراءه قلبها، تسرع لانتشاله فيخاطبها زوجها: “دعيه يعتمد على نفسه”. تنظر حولها بخجل وكأنها تتلمس مخرجاً من ولعها الزائد، فتخبرنا أنه ولدها الأول، وتأتي به يومياً إلى هذه الحديقة للاستجمام.
الجدة أم يوسف سألتها عن اسمها قالت سميعة أحمد تتكئ على حفيدها وتختار الجلوس بجانب بركة الماء الزرقاء عند مدخل الحديقة الغربي، تتمتم الجدة العجوز: “كم يأخذني هذا المنظر إلى أيام صباي في قريتي الريفية، بعيداً عن صخب المدينة”.
العم أبو وائل “سالم محفوض” يجلس صامتاً، عيناه تائهتان في البعيد، ربما يستذكر عزيزاً، أو يمارس يوغا الصمت العميق، يحرك رأسه كمن استفاق من غفوة: “لم يكن بإمكاني أن أسرح بأفكاري بعيداً منذ عام من دون أن يقاطعني الذباب والبعوض، في هذه الحديقة التي قُلبت رأساً على عقب من مكان منفر إلى مكان جاذب للهدوء”.
صبية يلعبون في الملعب المسور ويتنازعون الكرة فيما بينهم، وصراخهم يجلجل في الأرجاء، أفضى إلينا أحدهم: “إنه المكان الوحيد الذي نلعب فيه براحتنا من دون أن يحتج علينا أحد من الجيران أو المارة”.
عشرات الحكايات كانت لترويها حديقة أبي تمام لو كان لديها أذنان تسمعان، لكنها كاتمة للأسرار، لا تنطق إلا بالجمال بعد أن كانت رمزاً للإهمال.





