الوحدة – نعمان أصلان
في مفارقة تعكس واقعاً مريراً، تحولت الدول التي كانت تنافس الحمضيات السورية في الأسواق الخارجية إلى غريم يزاحم المنتج الوطني في عقر داره، هذا المشهد الذي طالما حذر منه الفلاحون لسنوات، بات حقيقة ماثلة اليوم نتيجة تراكم المصاعب الإنتاجية والتسويقية التي واجهت المحصول خلال المواسم الماضية.
إغراق الأسواق بالمنتج المستورد
لخص الدكتور كرم الجهني (صاحب محل في سوق هال اللاذقية) تداعيات هذا المشهد في كتاب وجهه إلى السيد محافظ اللاذقية، كشف فيه عن دخول كميات ضخمة من الحمضيات المصرية والتركية إلى الأسواق المحلية بأسعار تقل عن تكلفة المنتج السوري. وأشار الجهني إلى أن هذا “التعويم” أدى إلى إغراق السوق بالبضائع الوافدة، مما ألحق أضراراً فادحة بالمزارعين، تجلت في توقف تجار الشحن ومراكز الفرز والتوضيب عن توريد المحصول المحلي إلى المحافظات الأخرى أو الدول المجاورة، تفادياً للخسائر الكبيرة الناتجة عن منافسة المنتج المستورد.
وأكد د. الجهني أن هذه الحالة تسببت في شلل حركة التسويق في محافظة اللاذقية، في إجراء وصفه بـ”المجحف” بحق الفلاحين، خاصة وأن سوريا بلد مصدر للحمضيات وتمتلك اكتفاءً ذاتياً يفوق الاحتياج. وطالب بضرورة التدخل الفوري لإيقاف استيراد الحمضيات حتى نهاية الشهر السادس، وهو الموعد الرسمي لانتهاء موسم الحمضيات في الساحل السوري.
ثغرات قانونية وتبريرات تجارية
في المقابل، يرى بعض تجار سوق الهال الذين يعرضون أصنافاً مستوردة، أن السماح بالاستيراد ينسجم مع التوجهات الاقتصادية الجديدة القائمة على انفتاح الأسواق وتسهيل انسياب السلع. وأوضح هؤلاء أنه لم يصدر قرار صريح بالاستيراد، بل إن عدم إدراج الحمضيات ضمن قائمة المواد الممنوع استيرادها اعتُبر ضمناً سماحاً بإدخالها.
وأضاف التجار أن الاستيراد اقتصر على الأصناف التي شارف موسمها المحلي على الانتهاء (مثل البرتقال أبو صرة والكلمنتينا)، حيث تتراوح أسعار المستورد منها بين 8 إلى 12 ألف ليرة، بينما تم استبعاد الأصناف التي لا تزال في ذروة إنتاجها محلياً (مثل البلانسيا والحامض) حماية للمنتج الوطني.
أرقام صادمة وتأثيرات ممتدة
إلا أن الواقع الميداني للمزارعين يدحض تبريرات التجار، فمنذ بدء الاستيراد، هوت أسعار صنف “البلانسيا” من 6000 ليرة للكيلو إلى ما دون 3000 ليرة، وهو رقم يعادل بالكاد تكلفة الإنتاج.
وتشير البيانات إلى أن الإنتاج المحلي من الحمضيات -رغم تراجعه- ما يزال يغطي ضعف حاجة الاستهلاك المحلي، حيث تستهلك السوق السورية نحو 300 ألف طن سنوياً، بينما يصل الإنتاج إلى قرابة 600 ألف طن.
وحذر المزارعون من أن الآثار السلبية لن تتوقف عند الموسم الحالي، بل ستتمطى للموسم القادم، فالعادة الجارية أن أسعار نهاية الموسم تتحكم بأسعار بدايته. علاوة على ذلك، فإن ضعف العائد المادي سيحرم الفلاحين من القدرة على خدمة أراضيهم (من حراثة وتسميد وري)، مما ينذر بتراجع جودة وكمية الإنتاج مستقبلاً.
محصول استراتيجي في مهب الريح
يطرح غزو الحمضيات المستوردة تساؤلات مشروعة حول الأسباب التي أوصلت محصولاً كان إنتاجه يتجاوز 1.1 مليون طن إلى هذا المنحدر. فبين ظروف مناخية قاسية من جفاف وصقيع، وبين غياب الحلول الجذرية المزمنة -مثل إنشاء معمل للعصائر في الساحل السوري، وتأمين أسواق تصديرية مستقرة، ودعم تكاليف الإنتاج- يبقى “ذهب الساحل” السوري ضحية لغياب الرؤية التسويقية والإجراءات العملية التي تحمي لقمة عيش آلاف الأسر المعتمدة على هذا القطاع.



