المئذنة الحزينة في جامع الصليبة… حكاية عراقة تتوارثها أجيال اللاذقية

3 دقيقة للقراءة

الوحدة – رزان بركات

يقف جامع الصليبة، أحد أقدم وأعرق جوامع مدينة اللاذقية، شاهداً على تاريخ طويل من الأصالة والتراث الديني والاجتماعي. ويستمد الجامع اسمه من موقعه في حي الصليبة العريق جنوب قوس النصر، حيث ارتبط عبر قرون بحياة أهالي الحي الذين ما زالوا يحافظون على تقاليدهم الرمضانية المميزة، من تزيين الأزقة وتنظيف الحي واستقبال شهر رمضان بالأناشيد والأجواء الروحانية التي تتجدد عاماً بعد عام.

ويصنف الجامع لدى مديرية الآثار كأحد أهم المساجد الأثرية في المدينة، لما يحمله من قيمة تاريخية ومعمارية مميزة. ورغم عدم وجود نص تاريخي قاطع يحدد تاريخ تأسيسه الأول، إلا أن وثيقة رسمية تؤرخ بناءه إلى شهر صفر عام 1162 هجري، الموافق لشهر كانون الثاني عام 1749 ميلادي، وتشير إلى تعيين خطيب ومدرس للجامع بموجب فرمان سلطاني.

وتوضح لوحة رخامية حديثة في الجامع أن أحمد جلبي المعروف بابن قره باغه هو من أمر ببنائه على نفقته الخاصة، مستخدماً الحجر الرملي القاسي الذي اشتهرت به اللاذقية آنذاك، حيث بلغت سماكة جدرانه نحو مترين، ما أسهم في متانته واستمراره حتى اليوم.

ومن أبرز ما يميز الجامع مئذنته الشهيرة المعروفة باسم “المئذنة الحزينة”، والتي يطوق تاجها شريط رخامي أسود أثار كثيراً من الروايات الشعبية. وتروي إحدى الحكايات المتوارثة أن ابن قره باغه توفي قبل اكتمال بناء الجامع، فتولت زوجته الإشراف على استكمال العمل، لكن المعماري سقط من أعلى المئذنة خلال المراحل الأخيرة للبناء وفارق الحياة، فطلبت وضع الشريط الأسود تخليداً للحادثة وتعبيراً عن حزنها.

وعلى الصعيد المعماري، شهد الجامع عدة توسعات وتحديثات عبر الزمن مع الحفاظ على طابعه التراثي الأصيل. ويتألف من كتلتين معماريتين رئيسيتين، الأولى تمثل الحرم القديم، وهو فضاء مغطى بأربع قباب دائرية مرتفعة محمولة على أقواس تستند إلى عمود دائري وجدران حاملة، بينما تتكون المئذنة من قسم داخلي على شكل متوازي مستطيلات، وقسم خارجي أسطواني مقسم إلى ثلاثة أجزاء تتدرج في زخارفها وعناصرها الهندسية حتى تنتهي بقبة كروية صغيرة.

أما الكتلة الثانية، وهي الجزء الحديث المعروف بحرم المتوضأ، فتضم فراغاً سماوياً مربع الشكل، وتغطي بقية مساحتها بلاطات بيتونية تستند إلى أعمدة وأقواس خرسانية، كما أضيف إليها مصلى خاص بالنساء لتلبية احتياجات المصلين.

ويبرز المدخل الغربي للجامع كأحد أجمل عناصره المعمارية، إذ يتألف من باب خشبي تعلوه عتبة وقوس حجريتان ترتكزان على مصطبتين من الحجر. ولا تقتصر أهمية هذا المدخل على كونه بوابة للجامع، بل يؤدي أيضاً وظيفة فريدة كمزولة شمسية كانت تستخدم لتحديد موعد صلاة الظهر، في دلالة على ما بلغه المعماريون آنذاك من دقة وإبداع في توظيف عناصر البناء لخدمة الحياة اليومية.

وهكذا يبقى جامع الصليبة، بمئذنته الحزينة وأروقته العتيقة وتاريخه الممتد لأكثر من قرنين ونصف القرن، أحد أبرز المعالم التراثية في اللاذقية، وذاكرة حية تختزن قصص المكان وأهله عبر الأجيال.

إرسال تصحيح لـ: المئذنة الحزينة في جامع الصليبة… حكاية عراقة تتوارثها أجيال اللاذقية

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *