الوحدة – حليم قاسم
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه القطاع الزراعي عالمياً ومحلياً، أقامت كلية الهندسة الزراعية في جامعة اللاذقية مؤتمرها العلمي الدولي الرابع بعنوان “المؤتمر الدولي للنظم الزراعية المتكاملة والمستدامة”، بالتعاون بين وزارتي التعليم العالي والبحث العلمي والزراعة، ويهدف المؤتمر إلى تعزيز البحث العلمي التطبيقي في مجال النظم الزراعية المتكاملة والمستدامة، ودعم الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، ولاسيما المياه والتربة، وتسليط الضوء على التقنيات الحديثة والذكية في الزراعة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى تشجيع الابتكار وتطوير حلول عملية لرفع كفاءة الإنتاج النباتي والحيواني، والإسهام في تحقيق الأمن الغذائي وتعزيز سلاسل القيمة للإنتاج الزراعي، وتعزيز التعاون العلمي بين الجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات ذات الصلة محلياً ودولياً، وربط البحث العلمي بالتطبيق العملي بما يخدم التنمية الزراعية المستدامة.
وفي كلمته أشار الدكتور عبد الحليم الخالد ممثل وزير التعليم العالي إلى أن الوزارة تؤمن بأن الجامعات ومراكز البحث العلمي تمثل ركيزة أساسية في إنتاج المعرفة، وبناء القدرات، وتخريج الكفاءات القادرة على قيادة مسارات التطوير والبناء، وانطلاقاً من هذا المبدأ تولي الوزارة اهتماماً خاصاً بنظام البحوث التطبيقية، وتعزيز الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والقطاعات الإنتاجية، وتشجيع المبادرات العلمية التي تسهم في خدمة المجتمع والتنمية المستدامة، مؤكداً على أهمية التكامل بين البحث العلمي والتطبيق العملي، وبين الجامعات والمؤسسات الحكومية، والمنظمات المحلية والإقليمية والدولية، والقطاعين العام والخاص، وذلك في إطار تطوير نظم زراعية حديثة تقوم على الإدارة الرشيدة للموارد، وتوظيف مخرجات البحث العلمي لخدمة الواقع الزراعي والمزارعين، وتحقيق المصلحة العامة، مشيراً إلى أن عنوان هذا المؤتمر يعكس أهمية القطاع الزراعي الحيوي في دعم الأمن الغذائي، وتعزيز الاقتصاد الوطني، وتحقيق الاستدامة البيئية، كما يؤكد على الدور المحوري للبحث العلمي والتعليم العالي في إنجاز حلول عملية وفعالة، وتطوير الإنتاج الزراعي بشقيه الحيواني والنباتي، وتحسين كفاءة استخدام الموارد الطبيعية والبشرية والمالية، والارتقاء بقدرة المجتمعات على مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية.
وأكد المدير العام للبحوث العلمية الزراعية الدكتور أسامة العبد الله والممثل عن وزير الزراعة أن أهمية هذا المؤتمر تنبثق من التحديات الكبرى التي يواجهها القطاع الزراعي على المستويين الوطني والعالمي، لاسيما ما يتعلق بالتغيرات المناخية، وأنماط الأمطار، ومواسم الجفاف، مضيفاً أن هذا المؤتمر يقدّم أبحاثاً في مسائل تُعد من أولويات العالم، وهي النظم الزراعية المتكاملة والمستدامة، موضحاً أن مهام القطاع الزراعي لا تقتصر على إنتاج الغذاء فحسب، بل هو نظام متكامل يؤثر مباشرة في البيئة ويستهلك الجزء الأكبر من الموارد الطبيعية، خاصة التربة والمياه، ومن أجل تحقيق الأمن الغذائي، وتنمية المجتمعات اجتماعياً واقتصادياً، يواجه هذا القطاع تحديات حاسمة، أبرزها تغير المناخ وتزايد الطلب على الغذاء، في ظل تراجع إمكانيات الموارد الطبيعية نتيجة الاستخدام المفرط، لذلك تأتي أهمية ضبط النظم الزراعية وإدارتها بما يحقق التكامل بين الموارد الطبيعية، وعوامل الإنتاج، وحجم الطلب على الغذاء، وذلك من خلال رسم خارطة إنتاج علمية وواقعية.
وأكد د. العبد الله أن تحقيق التوازن بين الإنتاج الزراعي والحفاظ على الموارد، ووضع مصلحة الأجيال القادمة ضمن الأولويات، يستدعي السعي لتأسيس نظم زراعية متكاملة توازن بين أساليب الإنتاج وأهدافه، وإدارة الموارد بكفاءة، بالإضافة إلى الاستفادة من مخلفات الإنتاج الزراعي وإعادة تدويرها لتحقيق الاستخدام الأمثل، مشدداً على ضرورة تبني التقنيات الحديثة التي تعزز مستويات الكفاءة الإنتاجية وتكون صديقة للبيئة، ونقل هذه التقنيات إلى المزارعين، ولا بد من التأكيد على الدور الحيوي والهام الذي تقوم به الجامعات ومراكز البحوث العلمية، ومن ثم أهمية دعمها بما يحقق الاستفادة من أبحاثها العملية والنظرية.
بدوره، أشار الدكتور نبيل أبو كف عميد كلية الهندسة الزراعة أن المؤتمر ينعقد في وقت تزداد فيه الحاجة إلى رؤى علمية قادرة على مواجهة التحديات الكبرى التي تهدد الأمن الغذائي العالمي والمحلي من تغير مناخي، ونقص في الموارد المائية، وتدهور في الأراضي الزراعية، إلى فجوة متسعة بين الإنتاج والاستهلاك، مضيفاً إلى أهمية هذا المؤتمر لا تكمن فقط في كونه منصة للتباحث الأكاديمي، بل في كونه ورشة عمل حقيقية لتوليد حلول تطبيقية، تدمج بين المعرفة المحلية والتقانات الحيوية المتقدمة، وبين السياسات الزراعية الذكية والممارسات المستدامة، لافتا إلى أن أهم ما يتطلع إليه مخرجات هذا المؤتمر توصيات علمية قابلة للتنفيذ تسهم في تطوير النظم الزراعية المتكاملة في سورية والمنطقة، وشبكات تعاون بحثي بين الجامعات السورية والمراكز العلمية الدولية كـ أكساد وبرنامج التعاون الإنمائي UNDP، وأيضٱ مشاريع رائدة في مجال التقانة الحيوية، وإدارة الموارد الطبيعية، والتكيف مع التغير المناخي، إضافة إلى أوراق سياسات تُرفع لصناع القرار لدعم التحول نحو الزراعة المستدامة، وتأهيل كوادر شابة قادرة على قيادة مستقبل البحث العلمي الزراعي في سورية.
كما توجه د. أبو كف بالشكر لكل باحث وباحثة شاركوا بأوراقهم العلمية، ولكل من ساهم ودعم وأيد هذا المؤتمر، سواء من جهات رسمية أو خاصة، لافتاً إلى أن توصيات هذا المؤتمر ستكون خارطة طريق حقيقية نحو زراعة أكثر إنتاجاً، وأكثر عدالة للموارد، وأكثر قدرة على الصمود، بما يحقق الأمن الغذائي لسورية ويؤسس لنهضة زراعية شاملة.
وفي كلمته، أكد الدكتور وليد الطويل، ممثل مدير عام المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة “أكساد على أهمية تطوير السلالات الوراثية المحلية، وبخاصة سلالة “عرق الغراس” الفريدة، وكذلك الماعز الشامي، مشيراً إلى ضرورة استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال، والاستعانة بالخبرات المتميزة لتطويرها، مشدداً على أن الأولوية تكمن في تطبيق هذه التقنيات عملياً على أرض الواقع، وليس نظرياً فقط، وذلك من خلال ترجمة نتائج البحوث إلى تطبيقات ملموسة على الأرض، مشيراً إلى أهمية التعاون القائم بين المركز العربي “أكساد” والجامعات السورية، وخاصة جامعة اللاذقية، من حيث الإشراف على الطلاب وتقديم التسهيلات اللازمة لدعم مسيرتهم البحثية، داعياً إلى دراسة التأثيرات المناخية، مع التركيز على تحسين إنتاجية محصول القمح، مؤكداً على ضرورة العمل المشترك بين جميع الجهات المعنية، بهدف تجاوز التداعيات السلبية للتغيرات المناخية، وتوزيع أصناف متعددة من المحاصيل بما يضمن الاستدامة والأمن الغذائي.
كما لفتت في كلمتها سحر عيسى، مديرة مكتب برنامج التعاون الإنمائي UNDP في المنطقة الساحلية، أن الشراكة مع الجامعة تمثل نموذجاً متقدماً لما يُعرف بالحوكمة البيئية والتنموية القائمة على المعرفة، موضحة أن قناعتهم الراسخة، بأن تبادل الخبرات الأكاديمية الجامعية مع الأدوات العملية للبرامج التنموية، من شأنه أن يطلق بيئة إبداعية تخدم المجتمع السوري، والمنطقة الساحلية بشكل خاص، مضيفة أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لا ينظر إلى النظم الزراعية المستدامة كحلول تقنية فحسب، بل يعتبرها ركيزة أساسية لصمود المجتمعات في المنطقة الساحلية، التي تتميز بخصوصيتها البيئية الحساسة، وهي من أكثر المناطق في سوريا حساسية، مشيرة إلى أن حضورهم اليوم يهدف إلى تعميق هذه الشراكة مع الجامعة، باعتبارها شريكاً استراتيجياً في صياغة مستقبل التنمية في الساحة السورية، مؤكدة أن العلاقة مع الجامعة هي علاقة نامية وممتدة منذ عدة سنوات، بدأت بالتعاون المؤسسي القائم على الربط بين العلمي والبحث العلمي، والحوكمة الرشيدة، وبناء قدرات القطاع الخاص، وقد أثبتت تجاربهم السابقة مع الجامعة أن البناء نحو التنمية يبدأ من التنمية المستدامة، ومن القواعد التي تشكل منطلقاتهم الأساسية، مشيرة إلى تنفيذ عدة مشاريع مع الجامعة في كليات الهندسة الزراعية والكليات التطبيقية، حيث سعت هذه المشاريع إلى تنظيم ورشات عمل تطبيقية على الأرض، تسهم في تحقيق فرص عمل، وتلبية احتياجات السوق من المنتجات، بالإضافة إلى مشاريع أخرى تهدف إلى ربط البحث العلمي بسوق العمل.
ويرافق المؤتمر الذي يمتد لثلاثة أيام جلسات عملية ومحاضرات بحثية وجلسات نقاشية مفتوحة، ومعرض منتجات زراعية ورحلات علمية ترفيهية، وسيناقش فيه عدة محاور، المحور الأول الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية إدارة الموارد المائية والري الحديث صيانة التربة (الحفظ -الصحة- الاستصلاح)، التصحر ومكافحته، والتغيرات المناخية والتخفيف من آثارها وإدارة صيانة الغابات، أما المحور الثاني الإنتاجية النباتية والحيوانية، سيتم فيه الحديث عن وقاية النبات بأساليب متكاملة لتقنيات الحيوية والتقنيات النانوية، الزراعات المحمية المتقدمة (الهيدروبونيك) التقنيات الحديثة في الصناعات الغذائية، كما سيتم الحديث في المحور الثالث عن التقنيات الذكية في الزراعة (الطاقة المتجددة في الزراعة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الزراعة)، فيما سيتناول المحور الرابع مابعد الحصاد والتنمية المستدامة، تكنولوجيا مابعد الحصاد التصنيع الأخضر الاقتصاد الحيوي وتطوير القيمة المضافة وتدوير المخلفات الزراعية، و الأمن الغذائي وسلاسل القيمة للانتاج الزراعي.




