بقلم رئيس التحرير: محمود الرسلان
عقود من الطغيان والنهب، عقود من القمع والتهميش كانت سبباً في رسم محطة مفصلية في تاريخ سوريا، لقد أعادت هذه المحطة كتابة العلاقة بين الشعب والسلطة من الخوف والسكوت إلى الصرخة التي نادت بالحرية والكرامة التي لم يعد الشعب السوري يستطع العيش بدونها.
يتابع الشعب السوري مظاهرات الربيع العربي ضد الطغيان ويحلم بدوره في الانطلاق الذي كانت شرارته في 18 آذار حين صدحت الحناجر في درعا كاسرة جليد الخوف من الاعتقال.
في اللحظة الأولى حاولت عقلية النظام الأمنية إخماد الحلم في مهده، لكن العنف لم ينجح في إسكات الحناجر وزادها إصراراً، فانتقلت المظاهرات من مدينة إلى أخرى، في مشهد تضامن شعبي غير مسبوق.
ومع انسداد الأفق السياسي وتصاعد المواجهة، دخلت البلاد نفقاً معقداً، حيث واجه السوريون آلة عسكرية ثقيلة مدعومة بتحالفات وميليشيات عابرة للحدود، ما جعل الصراع غير متكافئ وأثقل كاهل الثوار الذين حوصروا وقتلوا وسجنوا.
هذا التصعيد ترك جرحاً نازفاً في الجسد السوري، قصف طال الحجر والبشر، وأحداث مأساوية من حصار وتهجير قسري، دفعت ملايين السوريين للنزوح، ومع ذلك بقيت الكرامة هي البوصلة التي لم تضل طريقها، القيمة العليا التي رفض السوريون مقايضتها، مدركين أن طريق الحرية طويل ويتطلب نفساً عميقاً وتضحيات مستمرة.
وهنا تجدر الإشارة إلى الفارق بين قوة نظام الهارب العسكرية وآلته الهمجية في التعامل مع متظاهرين ناشدوا أحرار العالم للتدخل لوقف القتل الذي يطال الشعب ولم يدخر الأخير (السوري) جهداً لإيصال صوته للمجتمع الدولي عبر أدوات بسيطة، حيث تحولت الهواتف الذكية والمنصات الرقمية إلى سلاح يوثق الحقيقة.
لم يكن هذا التوثيق يجدي النفع الكثير في وقت شعر الشعب بخذلان من قبل الدول الكبرى التي من المفترض أن تتدخل لوقف المجازر والحصار حيث أصبح ملف المغيبين قسراً أحد أعمق الجروح وأكثرها إيلاماً، آلاف العائلات تعيش في وهم الانتظار، تبحث عن خبر أو أثر، إن كشف مصير هؤلاء وتحقيق العدالة حجر الزاوية لأي نجاح.
توالت الاجتماعات الدولية وكثرت النقاشات التي شكلت لدى البعض بذرة أمل، لكن الحسم العسكري مع جيش نظام الهارب كان الهدف المرسوم، حيث لا ينفع مع المجرمين تنديد ولا وعيد، وانتصرت ثورة الشعب بعد 14 عاماً من الألم، واليوم ومع ملامح مرحلة جديدة تلوح، تبرز مسؤولية كبرى في إعادة الإعمار للمباني المهدمة على رؤوس أصحابها والمؤسسات التي يجب أن تقوم على النزاهة.
إن بناء سوريا المستقبل يتطلب تكاتفاً جماعياً يقتلع جذور الفساد الذي زرعه آل الأسد وعصابته الهاربة، ويضع كرامة الإنسان وتنمية قدراته فوق كل اعتبار.
إن ذكرى الثورة تجديد للعهد وتأكيد على أن المسار الذي بدأ بإرادة شعبية صلبة لن يكتمل إلا ببناء دولة المواطنة المتساوية، دولة تجمع بين الحرية والمسؤولية، وتفتح أبواب الأمل نحو مستقبل يستحقه السوريون، عنوانه الاستقرار والسيادة والكرامة، والدولة التي تجمع كل السوريين وبكل أطيافهم ومكوناتهم.


